وأما الكنايات:"تصدقت وحرمت وأبدت."الغالب أن كلمة"تصدقت"أنها لإخراجه، ولتمليكه للمتصدق عليه، فإنه إذا قال: تصدقت بهذا الثوب على فلان، فإن المتصدق عليه يملكه. ولكن إذا قال: تصدقت به -بهذا الثوب أو بهذه العباءة- لمن يحتاج إليه من المسلمين، جاز ذلك، وخرج عن ملكه، وأصبح وقفًا.
ولا بد من النية، أنه ينوي أنه وقف. وأما قوله: حرمت. فالأصل أن التحريم هو المنع، ولكن قد يريد بقوله: حرمت -يعني: حرمت بيعه وحرمت تمليكه-أن يملكه شخص، جعلته محرمًا على ورثتي، أو على شخص معين، فيصبح ينتفع به. فإذا نوى أنه وقف صار وقفًا.
وكذلك قوله: أبدت هذه الفرش يعني: أخرجتها من ملكي وجعلتها محرمة مؤبدة، ليس لي فيها تصرف، أصبح وقفًا بهذه الكلمة.
يشترطون النية مع هذه الكنايات: تصدقت وحرمت وأبدت. أن يكون ناويًا بذلك كونه وقفًا، أو يقترن به عبارة أخرى، كأن يقول: تصدقت به صدقة محرمة أو مؤبدة أو مسبلة أو محبسة أو موقوفة، أو يقول: تصدقت به صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث. فيفهم من ذلك أنه جعله وقفًا، وأنه أخرجه من ملكه حتى ينتفع به.
ذكر أن شروطه خمسة:
-كونه:"ذو عين معلومة يصح بيعها، وينتفع بها مع بقائها". يعني: أن الوقف لا بد أن يكون في عين معينة معلومة، أيًا كانت تلك العين، إذا كان فيها منفعة، حتى الحيوانات.
فإذا تصدق بها، إذا وقف هذه الفرس على المجاهدين فإنها تكون معلومة. أما إذا قال: فرسا من خيلي، فإنه لا يصح حتى يعينها، الفرس الفلانية. أو قال: - مثلا - هذا الجمل وقفته على من يجاهد عليه أو من يحج عليه، أصبح معينًا. أما إذا قال: جملًا من جمالي أو بعيرًا من إبلي، فلا يصح حتى يعينه.
ومثله في هذه الأزمنة المراكب الجديدة، يجوز -أيضا- وقفها. فيجوز أن يقول: وقفت هذه السيارة، ويعين يقول: وقفتها على من يحج عليها ويعتمر عليها، أو وقفتها على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يتجولون عليها، أو وقفتها على الدعاة الذين يدعون إلى الله يسافرون عليها.
أخرجها من ملكه، وجعلها وقفًا معينة. أما إذا قال: سيارة من سياراتي، وعنده عدد فلا يصح، لا بد أن تكون معينة حتى تخرج من ملكه؛ لأن الأصل أن الموقوف يخرج عن ملك الواقف، حتى ولو تعطل الانتفاع به.
فلو وقف فرشًا على المسجد، ثم هدم المسجد، فلا يجوز له أن يقول: ردوا علي فرشي. نقول: أخرجتها من ملكك، تنقل إلى مسجد آخر، ولا يحل لك أن تستعيدها. أو: ردوا علي مكيفاتي أو مراوحي التي سبلتها لهذا المسجد. لا يحل له أن يرجع فيها.
فالحاصل: أنه لا بد أن يكون هذا الشرط في عين معينة معلومة، بالإشارة: كأن يقول: وقفت هذا المشلح على كل من يتزوج ليلة زواجه؛ حتى أريحه من شرائه، أو يقف هذا الثوب -ثوب المرأة الجميل مثلا - الذي تدخل به على زوجها ليلة الزفاف، حتى لا يكلفه أن يشتري لها ثوبًا.
يوجد في بعض أماكن مساعدة المتزوجين مشالح، موقوفة على من يريد أن يتزوج، يأخذه يوم زواجه، ثم يرده بعد يوم أو يومين؛ لأنه ليس من لباسه. كذلك ثياب للعروس، يأخذها ويدفعها للعروس؛ لتتجمل بها ليلة زفافها. هذه -أيضا- موقوفة، يقصد الذين وقفوها الأجر.
كذلك الحلي يجوز وقفه، إذا وقف - مثلا - ما يسمي بالمناجر، أو الغوائش وتعرف بالأسورة، وكذا الخواتيم تلبسها العروس يوم زفافها، أو القلادة، ثم بعد ذلك ترد، يردها المستعير لها -تكون هذه -أيضا- وقفًا.
لأنه قد يقول: إني لا أقدر على شراء هذا الحلي الثقيل: رشارش وقلائد وأسورة، وما يسمى، التي تسمى الأقراط في الأذن، أو خواتيم. فهناك من يسبلها، ويجعلها وقفًا؛ حتى ينتفع بها في ليلة الزفاف ونحوه، أو يوم الاحتفال بشيء، ثم يردها. وتكون وقفًا على العاجزين عن اقتناء أمثالها.
"يصح بيعها". فالشيء الذي لا يصح بيعه لا يصح وقفه إلا المصحف، المصحف يصح وقفه مع أنه لا يصح بيعه عندهم، وإن كان الصحيح جواز بيعه. أما الشيء الذي لا يصح بيعه فلا يصح وقفه.
فلا يصح أن يقف كلب صيد، يقول: وقفت كلب صيد، أو كلب الحراسة للحرث أو الحراسة للغنم؛ لأنه ليس له قيمة ليس له ثمن، فلا يصح بيعه. ويمثلون -أيضا- بجلد الميتة ولو بعد الدبغ، يترجح عندهم أنه لا يباع ولا ينتفع