بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال -رحمه الله تعالى-:"فصل"والظهار محرم، وهو أن يشبه زوجته أو بعضها بمن تحرم عليه، أو بعضها أو برجل مطلقا، لا بشعر وسن وظفر وريق ونحوها، وإن قالته لزوجها فليس بظهار، وعليها كفارته بوطئها مطاوعة، ويصح ممن يصح طلاقه، ويحرم عليها وطء ودواعيه قبل كفارته، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، ويكفر كافر بمال وعبد بالصوم.
وشرط في رقبة كفارة ونذر عتق مطلق -إسلام وسلامة من عيب مضر بالعمل ضررا بينا، ولا يجزئ التكفير إلا بما يجزئ فطرة، ويجزئ من البر مد لكل مسكين ومن غيره مدان.
"فصل"ويجوز اللعان بين زوجين بالغين عاقلين لإسقاط الحد، فمن قذف زوجته لفظا، وكذبته، فله لعانها بأن يقول: أربعا: أشهد بالله إني لصادق فيما رميتها به من الزنا، وفي الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تقول هي أربعة: أشهد بالله إنه لكاذب فيما رماني به من الزنا، وفي الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فإذا تم سقط الحد، وثبتت الفرقة المؤبدة، وينتفي الولد بنفيه، ومن أتت زوجته بولد بعد نصف سنة منذ أمكن اجتماعه بها، أو لدون أربع سنين منذ أبانها، ولو ابن عشر لحقه نسبه، ولا يحكم ببلوغه مع شك فيه، ومن أعتق أو باع من أقر بوطئها فولدت لدون نصف سنة لحقه، والبيع باطل.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من عادات أهل الجاهلية ألفاظ يتكلمون بها، يعبرون بها عن تحريم الزوجة أو تحريم الأمة، أو ما أشبه ذلك، ولما جاء الإسلام نهى عن تلك الألفاظ، وتلك الكلمات الجاهلية، ومن ذلك الظهار.
الظهار: مشتق من الظهر؛ لأن الأصل تشبيه الزوجة بظهر الأم؛ وذلك لأن الظهر في الدابة هو الذي يركب، فشبه ركوب الزوجة بركوب الدابة في ظهرها، وشبه بظهر الأم في نظرهم.
كان أهل الجاهلية يحرمون نكاح المحارم التي جاء الشرع بتحريمهن، كنكاح الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت يعني: المحارم، لكنهم كانوا يبيحون نكاح زوجة الأب، إذا مات الأب ينكحها أحد أبنائه من غيرها، وكذلك يبيحون الجمع بين الأختين، ويبيحون أكثر من أربع، وقد يجمع بين خمس وعشر وثمان ونحو ذلك، فلما جاء الإسلام قصرهم في النكاح على أربع، وحرم المحرمات التي يحرم نكاحهن، إما لرضاع، وإما لقرابة وإما لمصاهرة.
وأبطل تلك العادات الجاهلية، والتي منها مسألة الظهار، أنزل الله تعالى فيه أول سورة المجادلة، وسبب نزولها في قصة رجل من الصحابة اسمه أوس بن الصامت، غضب على امرأة له، يقال لها: خولة، ويصغرون اسمها خويلة، فلما غضب عليها، قال لها: أنت علي كظهر أمي كان لها أولاد منه، ويشق عليها أن تفارق أولادها، فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تسأله، وتظهر الشكاية إلى الله، وتقول: إني تزوجته، ونثرت له ما في بطني، ولي منه صبية صغار إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن تركتهم عنده ضاعوا، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول بينه وبينها: ما أظنك إلا قد حرمت عليه؛ وذلك لأن الظهار في الجاهلية طلاق وتحريم؛ لأنه حرمها بمن تحرم عليه إلى الأبد، وهي الأم، فكان في ذلك تحريم ظاهر.
أخذت تردد وتقول: إلى الله المشتكى، أشكو إلى الله ضعفي، وكأنها تسأل الله تعالى أن ينزل فيها ما يكون سببا لهذا الفرج لمثل: فرجا ومخرجا، ففي جلوسها عنده نزلت سورة المجادلة، تقول عائشة -رضي الله عنها-: سبحان من وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسأله، وإني لفي جانب الحجرة، ويخفى علي بعض كلامها قال الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) } [1] فهذا خبر من الله تعالى أنه سمع شكواها، ويسمع تحاوركما، أي أنت معها، ثم بعد ذلك ذكر الله حكم هذا العمل الذي هو تشبيه المرأة الزوجة بظهر أمه أن يقول: أنت علي كظهر أمي، وسمي هذا الفعل ظهارا.
ثم إن العلماء -رحمهم الله- أخذوا من هذه الآيات أحكام هذا الفعل، وأنه محرم، والدليل على تحريمه ما في هذه الآية الثانية {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ (( (( (( (( (( (( مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِن اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ(2) } [2] فإذا قال: أنت علي كأمي أو أنت علي كظهر أمي، فإنه كاذب، ليست هي أمه، وليست مثل أمه، ولا يقال: إن لها حكم أمه. أمه في الحقيقة هي التي ولدته، وأما هذه فليست ولدته.
وقال تعالى في سورة الأحزاب: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ} [3] أي ليست أزواجكم أمهات، إذا ظاهرتم منهن، فلا تكون الزوجة أما، ولا تكون شبيهة بالأم، وإنما هي امرأة أجنبية عقد عليها هذا الرجل، وأصبحت زوجة له حلالا له بخلاف أمه، فإنها محرمة عليه تحريما مؤبدا، لا تحل له بأي حال، وهذه قد أحلها الله تعالى، أحل نكاح الزوجات.
فعلى هذا بين الله تعالى أنها ليست أما، ولو شبهها بالأم، ثم أخبر بأنه منكر: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} [4] الزور هو الكذب، والمنكر ضد المعروف، يعني: أنهم يتكلمون بهذه الكلمة، وهي كلمة منكرة؛ ولأجل ذلك يعدون الظهار من المنكرات ومن الكذب، ويعده بعضهم من كبائر الذنوب، وأن عليه الكفارة، وكل ذنب يحتاج إلى كفارة، فإنه من كبائر الذنوب، فدل على أنه من المحرمات نص العلماء على ذلك.
ثم لما كان أهل الجاهلية إنما يحرمون بظهر الأم، يشبهون بظهر الأم، فإن الحكم أعم من ذلك، فمن شبه ببطن أمه فالبطن كالظهر إذا قال: أنت علي كبطن أمي، أو كفرج أمي، أو كذلك كيد أمي، أو كرأس أمي، وقصد بذلك تحريمها، فإنه يكون مظاهرا، وأما إذا قال: أنت علي كأمي، أو أنت مني كأمي، وقصد بذلك في المودة، فلا يكون ذلك تحريما، وهكذا لو دعاها: يا أمي، ويريد بذلك الشفقة، يعني: أنه يشفق عليها كما يشفق على أمه، ويرحمها، ويودها كما يود أمه، فإن ذلك مما يكون من أسباب المودة، ولا يكون ظهارا.
وهكذا لو ناداها بقوله: يا أمي، لا يكون هذا ظهارا، إنما إذا عرف من قصده أنه يحرمها عليه، فيشبهها بالأم التي هي محرم عليه نكاحها، فيكون مظاهرا، وألحق العلماء غير الأم من المحارم بها، أي: كل امرأة تحرم عليه بنسب أو سبب مباح تحرم عليه تحريما مؤبدا.
فإنه إذا شبه زوجته بها، وصدق عليه أنه مظاهر، وأن عليه كفارة الظهار، وهكذا أيضا لو شبه بعض زوجته بمن تحرم عليه، إذا قال مثلا: وطؤك علي كأمي، أو فرجك علي كفرج أمي، أو كبطن أمي، أو كظهر أمي، أو
(1) - سورة المجادلة آية: 1.
(2) - سورة المجادلة آية: 2.
(3) - سورة الأحزاب آية: 4.
(4) - سورة المجادلة آية: 2.