الشرط الثالث: أن يكون مختارا. يُخْرِج إذا أكره على شربها، وهدد وقيل: إن لم تشربها قتلناك، إن لم تشربها ضربناك، ضربا مبرحا لا تتحمله. فتهاون بها وشربها مختارا.
الشرط الرابع: العلم. أن يكون عالما بالتحريم. فإذا كان جاهلا، لا يدري أنها محرمة، فلا حد عليه، وكذلك عالما أنها تسكر، أو أن الكثير منه يسكر، ولو كان القليل لا يسكر.
فإذا تمت هذه الشروط، أقيم عليه الحد. إن كان حرا ثمانون جلدة، وإن كان قِنًّا أربعون جلدة. هكذا يجب عليه الجلد، يكون جلدا وسطا، ليس شديدا، وليس خفيفا وسهلا، بل يكون جلدا متوسطا. ذكروا أنه فوق جلد القذف، ودون جلد الزنا.
ثم لا بد من ثبوت الشرب. بأي شيء يثبت؟ بإقراره مرة، أو بشهادة عدلين. فإذا أقر بأنه شرب الخمر التي تسكر، ثبت عليه الجلد، إذا شهد عليه شاهدان بأنه قد اعترف: نشهد أنه اعترف عندنا، أنه شرب الخمر، أقيم عليه الحد. وذكروا أيضا أن القذف يثبت بإقراره، إذا قال: أنا الذي قذفت فلانا، أنا الذي قلت أنه زانٍ، أو فلانة. إذا شهد على اعترافه عدلان، فإنه يحد. وكذلك إذا شهد عدلا ن على شربه، وقالا: رأيناه يشرب، فإنه يُحد.
كذلك يقول:"حرم عصير ونحوه، إذا غَلَى، أو أتَى عليه ثلاثة أيام". العصير: عصير عنب، أو كذلك عصير تمر، ويسمى النبيذ. يطرح التمر في الماء إلى أن يكتسب حلاوة، أو يفرك في الماء إلى أن يكسبه حلاوة، وكذلك أيضا الزبيب، إذا خمر في الماء إلى أن يذوب، فإذا غلى ورمى بالزبد، فإنه يقرب من الإسكار، وكذلك إذا أتى عليه ثلاثة أيام.
ذكرت عائشة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان ينبذ له في سقاء، يطرح في ذلك السقاء تمر، ويصب عليه ماء، فيشرب منه ثلاثة أيام، أو يومين ونصف، وإذا بقي بعد ذلك شيء منه، أمر أن يُشرب أو يُراق، يخشى أنه ينعقد، ويبلغ حد الإسكار.
ففيه دليل على إباحة النبيذ، وكان قد نهى بعضهم عن الانتباذ في بعض الأسقية، ثم رخص لهم أن ينتبذوا فيما شاءوا، ولا يشربوا مسكرا. نهى عن النبيذ في الحنتم والمزفت والمقَير والدباء، الدباء: هو نوع من القرع، رأسه دقيق، إذا يبس فإنهم يأخذون جِرْمَه فيجعلون فيه دهنا، يحفظون فيه الدهن أو العصير. وحيث إن رأسه دقيق، يسرع إليه التغير، فنهى عن النبيذ فيه.
وكذلك الحنتم، ويسمى"الزير"الذي يصنع من الطين ونحوه، أو الجرار، وكذلك الذي مبني بقار أو بزفت، يسرع إليه التغير، ولكن إذا تحققوا أنه لا يتغير، جاز الانتباذ فيه. حد السرقة
تقدم من الحدود حد الزنا، وحد القذف، والتعزير، وحد الخمر، وبقي الآن حد السرقة، وحد قطاع الطريق، وحد البغاة، وحد المرتد.
ذَكر أن السارق يقطع بثمانية شروط، السارق: هو الذي يأخذ المال المحترم من حرزه، على وجه الخفية، فهو الذي يسمى سارقا. فإذا أخذ من المال المنشور، إذا كان إنسان مثلا نشر بضاعته، وجاء إنسان، وتحرى غفلته، وأخذ منه شيئا وهو لا يدري، فهذا ليس بسارق، يسمى مختلِسا.
وكذلك الذي ينهب المال ويهرب به، يسمى منتهِبا. وكذلك الذي يأخذه قهرا، يسمى مغتصِبا. لا يقطع المختلس والمنتهب والمغتصب؛ وذلك لأن القطع إنما جاء في حق السارق، وغيره يعزر، يعزرون التعزير الذي يردعهم.
وأما السارق فيقطع بثمانية شروط:
الشرط الأول: أخذ مال معصوم خفية،"أخذ مال معصوم"يُخرِج ماذا؟ يخرج مال الحربي. إذا أخذ مال حربي فلا يسمى سارقا، ولا قطع عليه؛ لأن الحربي حلال قتله، وحلال ماله. يدخل في مال المعصوم المسلم والذمي والمعاهَد والمستأمَن؛ لأنهم معصومة دماؤهم، وكذلك أموالهم.
ولا بد أن يكون الأخذ خفية، ويمكن أن يعد هذا شرطا تاسعا، أن يكون أخذه خفية، فأما أخذه علانية فلا يسمى سرقة.
الشرط الثالث: أن يكون السارق مكلفا مختارا، عالما بمسروق وتحريمه. فإذا كان صغيرا، أو مجنونا، أو مكرها على السرقة، أو جاهلا بتحريم السرقة، أو جاهلا بأن هذا المال معصوم، أو معتقدا أنه يجوز، لم يعلم أنه محرم -فلا يقطع.