وأرسله هاديًا يعني: معلمًا؛ وذلك لأنه أعلم أو من أعلم الصحابة، شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال:"أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل"فلذلك أوصاه بالتقوى، ويوصيه أيضًا بالعدل، أن يعدل بين الخصوم، أن يعدل بينهم، ولا يظلم أحدًا، قال الله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [1]
يقول:"وتفيد ولاية حكم عامة فصل الحكومة، وأخذ الحق، ودفعه إلى ربه، والنظر في مال يتيم ومجنون وسفيه وغائب، ووقف عمله، ليجرى على شرطه، وغير ذلك"
الولاية: إما أن تكون عامة، أو تكون خاصة.
الولاية العامة: هي التي يقول: وليتك البلد الفلانية ولاية عامة، بحيث إنه يوليه جميع أعمالها، وأما إذا ولاه ولاية خاصة، كأن يقول: وليتك فصل الخصومات، أو يقول: وليتك أخذ الحقوق من بعضهم لبعض، أو يقول: وليتك ولاية الأموال التي ليس لها مالك، أو ما أشبه ذلك فهذه تكون ولاية خاصة.
وفي هذه الأزمنة الغالب أن هناك ولايات خاصة، حيث إن الحكومة تجعل لكل عمل واليًا، فالقاضي يتولى فصل الخصومات، عندك يا هذا كذا، وعليك يا هذا كذا.
والأمير يتولى التنفيذ فيقول: يا فلان: سلم -ادفع- ما عندك، ويا فلان: خذ حقك، فيلزم هذا بأخذ، وهذا بدفع، فهو الذي يسمى منفذًا، كما أن هناك ولايات أخرى، فمثلًا الأوقاف لها ولاية يعني: هذه الجهات تولي الأوقاف، وتنفذ شروط الواقفين.
وكذلك هناك ولاية يقولون: التولي على الأموال التي ليس لها مالك، أو أموال السفهاء ينظرون فيها ويحفظونها، فهذا إذا كان هناك عدة ولايات.
فأما إذا لم يتمكن الإمام من أن يجعل لكل جهة واليًا فإن القاضي يوليه ولاية عامة. عليك أيها القاضي فصل الخصومات، وعليك بعد ذلك التنفيذ، ألزِم هذا بدفع الذي عنده حتى يأخذ الحق صاحبه ومستحقه، ولك يا قاضي أن تنظر في أموال القاصرين في هذا البلد، يتامى ومجانين وسفهاء.
وأموال غاب أهلها هل تترك هذه الأموال يعبث بها السفهاء فتضيع وتفسد؟ لا تترك. إذًا من الذي يتولى النظر فيها؟ القاضي، وله أن يوكل فيقول: وكلتك يا فلان على مال اليتيم الفلاني، وأنت على مال السفيه، وأنت على مال الغائب احفظ مال هذا الغائب كما تحفظ مالك، واتجر فيه كما تتجر في مالك؛ لأن القاضي قد يقول: أنا منشغل، والأعمال كثيرة، فكيف أتولى هذا، وأتولى هذا بنفسي، فيوكل من يراه كفئًا.
ولو لم يأمره الإمام الذي هو الخليفة يوكل من يقوم مقامه؛ لأجل أن لا تضيع الأموال، كذلك إذا كان في البلد أوقاف، عقارات مثلًا أو نخيل، أو كذلك بهائم كخيل، أو نحوها موقوفة، من الذي يتولى النظر فيها؟ القاضي.
لكن إذا جعل هناك كما في البلد، كما في هذه المملكة من يتولاها كوزارة الأوقاف ونحوها، فإنهم يتولونها، ولا يلزم القاضي أن ينظر فيها؛ لأن الأوقاف قد يشترط أصحابها شروطًا، فيقولون مثلًا: إذا كانت الأوقاف كتبًا أنها لا تُمنعُ ممن يستفيد، وأن الوكيل عليها فلان، وبعده فلان وبعده الصالح من الذرية، وهكذا أيضًا إذا كان الوقف عقارًا، إذا كان الوقف شجرًا، إذا كان الوقف دوابًا، كل ذلك بحاجة إلى أن يتولاه من يقيمه، ومن ينظر فيه.
"ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل، وخاصًّا في أحدهما أو فيهما": عموم النظر في عموم العمل مثلًا: الملك يقول لإنسان: وليتك عموم النظر في عموم عملي، أي: ما تحت ولايتي، ولو اتسعت الولاية اتسعت مثلًا أنه دخل في ولايته هذه الأعمال، يعني: هذه المملكة الواسعة وليتك عموم النظر، لك أن تفصل، ولك أن توظف، ولك أن توقف، ولك أن تنفذ، ولك أن تعمر، ولك أن تنقل، عموم النظر، فهذا الذي ولاه عموم النظر له أن يوظف من يريد، من يراه صالحًا.
(1) - سورة النساء آية: 58.