فهرس الكتاب

الصفحة 630 من 722

وقول العرب:"القتل أمثال القتل". يعني: أقل للقتل. فالدول التي لا تحكم بهذا القصاص، يكثر فيها القتل، يقتل إنسان واحدًا وعددًا ويقول: لا ضرر علي، سوف يدخلونني في السجن، مدة طولية أو قصيرة، ثم بعد ذلك يخلى سبيلي فأقدم على القتل. كثر القتل في كثير من الدول، صار قتل الرجل كأنه قتل نعجة، لا يحصل عليه تبعات، مع ما ورد من الإثم الكبير في قتل المسلم بغير حق، أو قتل أية نفس عدوانا؛ لذلك نعرف أن الشريعة ما جاءت إلا بالأحكام الشرعية التي تناسب المقام، والتى فيها الخير والمصلحة.

يقول: القتل: عمد، وخطأ، أو شبه عمد. يعني: ثلاثة أقسام.

ذهب بعض العلماء إلى أنه قسمان؛ لأن الله -تعالى- ما ذكر إلا قسمين، في سورة"النساء": {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [1] ثم قال في الآية التي بعدها: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [2] .

لم يذكر إلا قتل خطأ وقتل عمد، فلا يكون هناك شبه عمد، لكن جاء دليله من السنة، ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"ألا إن القتل شبه العمد: قتيل السوط والعصا، فيه الدية مغلظة".

فجعله لا قصاص فيه، ولكن تغلب فيه الدية، وأثبت أنه قسيم للعمد والخطأ، وأنه واسطة بينهما، فلا يلحق بالعمد فيكون فيه القصاص، ولا يلحق بالخطأ فيكون فيه الدية المخففة، بل يكون فيه الدية المغلظة.

ذكر بعد ذلك العمد:"أن العمد هو الذي يختص القود به". القود: هو القصاص"قتل القاتل". لماذا سمي قودا؟

لأنه يقاد إلى المقتل، يربطون في رقبته حبلا، ثم يقودنه إلى المكان الذي يقتل فيه إذا استعصى، فسموه قودا، ثم أطلقوا الفعل عليه فقالوا: استقاد فلان من فلان. أقدني حتى أطلقه على القصاص في الجراح، وفي الأطراف. سموا الجميع قودا.

أقدني: يعني اقتص لي."يقتص القود به". تعريفه:"أن يقصد من يعلمه آدميًا معصومًا، فيقتله بما يغلب على الظن موته به، كجرحه بما له نفوذ في البدن، وضربه بحجر كبير".

أولا: أن يتحقق كونه آدميًا، أما إذا ظن أنه ليس آدميا، ظن أنه حيوان: كصيد مثلا، أو هدف أو نحو ذلك، ورماه لأجل أن يجرب إصابته، ولم يتعمد -فهذا خطأ، إذا قتله بهذه الصفة فإنه قتل خطأ.

ثانيا: أن يعرف أنه معصوم. فإذا ظنه حربيا: كيهودي مثلا، أو شيوعي مباح دمه، ففي هذه الحال، إذا رماه وقتله فلا قصاص، يقول: ما ظننت أنه مسلم معصوم، ظننته أنه من المحاربين، الذين يحاربوننا ويقتلون المسلمين، فرميته لأريح الناس من شره. وتبين بعد ذلك أنه من المسلمين، وأنه معصوم الدم والمال، فمثل هذا لا قصاص، ولكن يسمي قتل خطأ، فعليه الدية والكفارة.

إذا ضربه بما يغلب على الظن أنه يموت به، فإن يسمى عمدًا، بخلاف ما إذا ضربه بيده، أو ضربه بعصا خفيفة، أو رماه بحجر صغير"ما تعمد قتله"، فهذا يسمى قتلا، قتل شبه العمد لا قصاص فيه.

أما إذا كان يغلب على الظن أنه يموت به، كما لو رماه بالرصاص، هذا يعلم عادة أنه يموت به، وكذلك إذا شدخ رأسه بحجر، كاليهودي الذي رض رأس جارية بحجر أو بحجرين، هذا يعلم أنه يموت به، أو رماه بذلك الحجر الكبير، فضربه به على قلبه أو نحو ذلك، أو ضربه في بطنه فقطع أمعاءه، وكذلك لو طعنه بحربة أو بسكين، طعنه مع بطنه، أو طعنه على قلبه أو على كبده، ونفذت السكين أو السيف، أو شيء له نفوذ، يعني: دخول

(1) - سورة النساء آية: 92.

(2) - سورة النساء آية: 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت