فنقول: إن هؤلاء الذين يقعون في الفواحش، في فواحش الزنى وفي فواحش اللواط ومقدمة ذلك، ليس معهم إيمان يزجرهم، ولكن نفوس ضعيفة وشهوات ضعيفة تدفعهم إلى فعل هذه الفواحش، فلو لم يكن هناك عقوبات جلد ورجم وتغريب وحبس ونحو ذلك لانتشر هؤلاء وانتشرت الفواحش، وإذا انتشرت، فماذا تكون الحالة؟ لا شك أنها تحصل المنكرات، وأن الله تعالى ينزل عليهم العقوبات والأمراض التي لم تكن في أسلافهم من قبل، كما ورد ذلك في بعض الأحاديث أنه"ما فشا الزنى في قوم حتى يعلنوه، إلا فشت فيهم الأمراض التي لم تكن في أسلافهم"فهكذا هذا هو الواقع؛ لذلك ذكر أو ذكر العلماء هذه الحدود وهذه العقوبات.
يقول: لا تجب إلا على مكلف ملتزم عالم بالتحريم، هذه شروط من تجب عليه. المكلف: هو البالغ العاقل، فإذا وقع في الزنى صغير أو في اللواط -يعني دون البلوغ-، فمثل هذا غير مكلف؛ لعدم العقل التام الذي يزجره، وكذلك لو وقع فيه مجنون مسلوب العقل ضعيف العقل وضعيف المعرفة، فمثل هذا -أيضا- ليس معه ما يزجره، ليس معه من العقل ما يزجره ويدفعه إلى فعل هذه الجريمة أو إلى تركها، ضعيف العقل أو مسلوبه، فمثل هذا -أيضا- لا يقام عليه الحد، وأما الملتزم فيخرج الكفار الذين ليسوا بملتزمين ويدخل الملتزم منهم، الملتزم مثل الذمي، أهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس، إذا كانوا يؤدون الجزية يلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام في النفس والمال والعرض وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله؛ ولذلك رجم النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهوديين اللذين زنيا في عهده مع أنهما ليسا بمسلمين، ولكن كانوا ملتزمين، يعني خاضعين للعهد وخاضعين للذمة، فهؤلاء تقام عليهم الحدود، وأما الذين ليسوا تحت ولاية المسلمين، أو الحربيون فلا ولاية للمسلمين عليهم ولا تقام عليهم الحدود؛ لأن ذنبهم أكبر.
الشرط الثالث:"عالم بالتحريم"، أي يعرف أن هذا الذنب حرام، فأما لو أسلم وبقي في بلاد ليس فيها علم وفعل الزنى ونحوه، فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنه جاهل ما وصل إليه العلم ولا درى أن الله- تعالى- حرم هذا الذنب، فلا بد أن يكون معه علم بأن هذا محرم.
يقول: وعلى إمام أو نائبه إقامتها الذي يتولى إقامة الحد هو الإمام، يعني كأمير البلد أو وكيله، وهكذا -أيضا- القاضي إذا كان مفوضا، ويجوز أن يوكل -أي يوكل الأمراء نوابا لهم-، يقول: أنت أيها الوكيل في البلدة الفلانية عليك أن تقيم الحدود، وأنت أيها القاضي قد فوضناك في إثبات الحدود وفي إقامتها، والدليل عليه"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكَّل رجلا يقال له أنيس الأسلمي"قال:"اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"وكله -أيضا- في وكله في الاعتراف إثبات الحد، ثم وكله في إقامة الحد، فاعترفت فرجمها، قصة ذلك العسيف"أن رجلين جاءا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أحدهما: إن ابني كان عسيفًا عند هذا- يعني أجيرا يعني كخادم- فزنى بامرأته فافتديت من ابني بمائة شاة وليدة، ثم سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني: جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا، الرجم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة، والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"ففيه دليل على إثبات الحدود. لا بد من الإثبات، ثم بعد ذلك الإقامة. كيفية استيفاء الحدود
الحدود، إما القتل في القصاص، أو القطع، قطع الطرف قصاصا أو نحو ذلك، وإما الرجم -وهو أشدها في الزنى-، وإما أو الجلد في الزنى والتغريب فيه، وقطع اليد في السرقة، والجلد في القذف، والجلد في السكر، والقتل فيه والقتل وما معه لقطع الطريق. هذه هي الحدود وما أشبهها، ويكون هناك باب -أيضا- في التعذير وهي العقوبات في حد، لا تصل إلى الذنب الذي فيه عقوبة مقدرة، وكذلك -أيضا- العقوبات في الذنوب التي لم يجئ فيها حد مقدر، فالعقوبات هي تسمى تعذيرا، فهذا الباب فيه باب الرجم، وفيه باب الجلد، وفيه باب التغريب، وفيه باب الحد للمسكر، وحد القذف، وقطع اليد في السرقة، وحد قطاع الطريق، وحد البغاة، وحد المرتد، هذه الحدود التي هي تحت هذا الكتاب.
إذا ثبت الحد الذي هو الجلد، فإنه يضرب الرجل قائما بسوط لا خلق ولا جديد، ويكون عليه قميص -أو قميصان- ولا يبدي ضارب إبطه، هكذا ذكروا الرجل إذا جلد، جلد في الزنى، أو جلد في الخمر، أو جلد في