فهرس الكتاب

الصفحة 666 من 722

أن يندفعوا إلى فعل هذه المحرمات ويقعوا فيها ولا يفكرون في العواقب، ثم بعد ذلك ينتبهون، فما ينتبهون إلا وقد وقعوا، ثم ربما -أيضا- أنهم يعودون مرة ثانية وثالثة ومرارا.

لما كان كذلك شرع الله تعالى هذه العقوبات، عقوبات دنيوية؛ لتكون زاجرة لهؤلاء الذين إيمانهم ضعيف، زاجرة لهم وناهية لهم عن الوقوع في هذه الآثام والمحرمات، فمن كان معه إيمان ويقين زجره إيمانه، ولو لم يكن معه أحد يراقبه، ومن ضعف إيمانه اندفع بشهوته إلى أن يفعل الآثام وأنواع الإجرام.

فأولا: أن على المسلم أن يجدد إيمانه وعقيدته، فيؤمن بأن الله تعالى هو ربه وخالق، والرب هو المعبود، ويؤمن كذلك بأن الله تعالى تعبده أي: أمره ونهاه فأصبح عبدا لله -سبحانه وتعالى-، والعبد عليه أن يطيع ربه وخالقه.

وثالثا: أن يعلم أن الله حرم هذا وأباح هذا، فيفعل ما هو مباح أو ما هو واجب، يتقرب به ويبتعد عما هو محرم وإثم كبير، يتركه خوفا من الله.

ورابعا: يعلم أنه إذا أطاع الله وفعل ما أمر به، فإن الله تعالى يثيبه في دنياه وفي أخراه، فيعطيه أجرا كبيرا، وأنه إذا عصى الله تعالى ووقع في هذه الآثام فإنه قد توعده بأنه يعاقبه ويعذبه في دنياه وفي أخراه. من كان معه هذا الإيمان زجره عن المعاصي، ولو كانت الدوافع إليها شديدة زجره عن الزنى وعن الخنا وما أشبه ذلك، ولو كانت متيسرة أسبابه، فنضرب -مثلا- بنبي الله يوسف -عليه السلام-، كونه شابا في غاية الشباب وجميلا في غاية الجمال، وكونه في بيت سيده الذي ملكه ظلما، وكون امرأة ذلك السيد من أجمل الناس، وكونها غلقت الأبواب ودعته إلى نفسها {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} [1] {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} [2] ولكن ما الذي حجزه مع الدافع القوي، حجزه برهان ربه، حجزه الإيمان، حجزه إيمانه وخوفه من الله {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [3] يعني اعترف بأن الله تعالى هو ربه وأنه أحسن مثواه وأنه توعد على ذلك بالعقوبة، فلا شك أن هذا أظهر الإيمان القوي. يكون زاجرا لمن كان معه هذا الإيمان الصحيح القوي؛ لذلك ذكر ابن رجب: أن رجلا خلا بامرأة في ليلة وراودها عن نفسها، وقال: ما يرانا إلا الكواكب، فقالت: فأين مكوكبها؟! فذكرته أن الله تعالى هو يرانا، وهو الذي كوكبها، يعني خلقها وسيرها، لا يخفي عليه خافية {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) } [4] .

وأن آخر خلا بامرأة في منزل، وهمّ بها، وأظهرت له المطاوعة، وقال لها: أغلقي الأبواب، فقال بعد ذلك: هل أغلقت جميع الأبواب؟ قالت: نعم بقي باب واحد، الذي بيننا وبين الله، فارتعد وخاف وخرج، وكذلك القصة التي في الصحيحين، قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فأحدهم توسل بعفته أنه كانت له بنت عم قريبة يحبها حبا شديدا، كأشد ما يحب الرجال النساء، وأنه أرادها على نفسها فامتنعت، حتى ألمت بها سنة من السنين حاجة شديدة، فجاءت إليه تقترض منه أو تستجدي، فامتنع حتى تمكنه من نفسها ويبذل لها مائة دينار. يقول:"فلما قعدت بين رجليها قالت: يا عبد الله، اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه"فقام عنها خوفا من الله،"اتقى الله، وترك المال الذي أعطاها، هذا أثر الإيمان."

(1) - سورة يوسف آية: 23.

(2) - سورة يوسف آية: 23.

(3) - سورة يوسف آية: 23.

(4) - سورة الشعراء آية: 218 - 219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت