فطاعته فيما فيه مصلحة، ولهم -أيضا- أن يشيروا عليه بما يرونه مصلحة، فقد ثبت"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يعطي غطفان ثلث ثمرة المدينة على أن يرجعوا في غزوة الأحزاب، فاستشار سعدا، فقال: إن كان أمرا تأمرنا به، فسمعا وطاعة، وإن كان رأيا، فلا والله، ولا تمرة واحدة، فعند ذلك قبل كلام سعد".
وكذلك -أيضا- في كثير من الأمور يستشيرهم عملا بقول الله -تعالى- {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} فإذا عزمت، فتوكل على الله، فعليهم أن يشيروا عليه بما يرونه صالحا، وأن يصبروا معه، وأن لا ينصرفوا، ولا يرجعوا حتى يرجع الجيش، وصفة الغزو كذلك، وصفة القتال موسعة في كتب الفقه.
ووقت اختيار البداءة والقتال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينتظر حتى إذا زالت الشمس، وهبت الرياح، ونزل النصر، يبتدئ في القتال، وكان يدعو عندما يبدأ في القتال، فيقول:"اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وزلزلهم، انصرنا عليهم".
وكان يعبئ -أيضا- الجيش، فيجعله مقدمة وجناحين، ويجعل لكل جناح، يعني: لكل جانب من يحثهم، وكان -أيضا- يجعل في المؤخرة من يحث الذين يكادون أن ينهزموا، يحثهم على الصبر والثبات، ثم يشجعهم على الإقدام، وكذلك -أيضا- على المبارزة إذا طلبوا من يبرز إليهم، وهكذا. فالحاصل أن القتال هو مقابلة الصفين، وقتل كل منهم للآخر إلى أن يحصل النصر، وتحصل الهزيمة، ثم إذا انهزموا، فإنهم يدفعونهم ويقتلون، ولا يجوز الأسر إلا بعد الإثخان؛ لقوله -تعالى-: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ} أي أكثرتم بهم من القتال {فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} أي الأسر، أي أوثقوهم، واربطوهم.
وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها من دار حرب، فيجعل خمسها خمسة أسهم سهم لله، ولرسوله وسهم لذوي القربى، وهم بنو هاشم والمطلب، وسهم لليتامى الفقراء، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، وشرط فيمن يسهم له: الإسلام، ثم يقسم الباقي: من شهد الوقيعة للراجل سهم، وللفارس على فرس عربي ثلاثة، وعلى غيره اثنان، ويقسم لحر مسلم، ويرضخ لغيرهم.
وإذا فتحوا أرضا بالسيف خير الإمام بين قسمها ووقفها على المسلمين، ضاربا عليها خراجا مستمرا، يؤخذ ممن هي في يده.
وما أخذ من مال مشرك بلا قتال فجزية، وما أخذ من مال مشرك بلا قتال كجزية وخراج وعشر فيء لمصالح المسلمين، وكذا خمس الغنيمة.
بعد ذلك إذا انهزموا ملك المسلمون ما كان عندهم، ويسمى غنيمة. تملك الغنيمة بالاستيلاء عليها بدار الحرب، متى استولى عليها المسلمون مجرد استيلائهم عليها يملكونها، وسميت غنيمة؛ لأنهم غنموا، وربحوا. إذا غنمها المسلمون قسموها خمسة أسهم. خمس يقسم، وأربعة أخماس للغانمين، الخمس الذي يحرز يجعل خمسة أسهم قال -تعالى-: {* وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} السهم الذي لله، ولرسوله نصرفه كمصرف الفيء، يجعل في مصالح المسلمين، ويكون لبيت المال في المصالح، التي يحتاج إليها من بناء مساجد، وإصلاح الطرق وبناء القناطر والجسور، التي فوق البحار مثلا، وكذلك -أيضا- رزق، وإعاشة القضاة ونحوهم، كل هذا -يعني- يدخل في بيت المال.
أما سهم ذوي القربى، فاختلف في أهله أكثر العلماء على أنهم بنو هاشم وبنو المطلب؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعطيهم من سهم ذوي القربى.
في هذه الأزمنة قد يقال: إنهم تفرقوا وكثروا، ولا يمكن حصرهم؛ لذلك يعطى من هو محقق النسب، وكذلك -أيضا- يعطى -أيضا- أقارب الرؤساء والسلاطين، يكون لهم حق في خمس الخمس، وسهم لليتامى والفقراء،