فهرس الكتاب

الصفحة 473 من 722

عرفنا أن الربيبة اشترط الله فيها {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} ولكن أكثر العلماء على أن هذا شرط أغلبي، وأن كونها ربيبة تعريف لها، ليس ذلك مطردا، فالضابط أن نقول: بنت الزوجة حرام على زوجها، بنتها من غيره حرام عليه، سواء كانت تلك البنت في حجره أو ليس في حجره، وسواء كانت ولدت قبل أن يتزوجها، أو بعدما تزوجها وطلقها، بنتها محرم له، وهذا هو قول الجمهور، الغالب أنه إذا تزوج بنت ومع تلك البنت بنت، تزوج امرأة ومعها بنات، الغالب أنهن يتربين عنده، وينفق عليهن.

فبناء على الأغلب قال: {وَرَبَائِبُكُمُ} وليس ضروريا أن يربيها بل لو ربتها أمها قبل أن يتزوجها، ولما تزوجها أخذها أبوها، لما تزوجت نعتبرها ربيبة؛ لأنها بنت زوجته، كذلك -أيضا- لا يشترط أن تكون في حجره، بل تزوجها ولها بنت فأخذ البنت أهلها، ولم تدخل في بيته إلا لزيارة نعتبرها ربيبة تحرم عليه فيكون محرما لها.

وكذلك بنات الزوجة بعد الزوج، إذا تزوجت امرأة ولها بنت قبلك، وجاءت منك بأولاد، وطلقتها وتزوجها زيد، وجاءت منه ببنات، فبناتها قبلك وبناتها بعدك حرام عليك، يعني الضابط أن بنت المرأة المدخول بها، سواء قبل الزوج أو بعده كلهن محارم لك، وبنت الربيبة حرام عليك، يعني تقول: أنت زوج جدتي أُمّ أمي، وكذلك بنت ابنها، تقول: أنت زوج جدتي أمّ أبي فتكون محرما لها، يعني بنات زوجتك من غيرك وبنات بنات زوجتك، وبنات أبناء زوجتك من غيرك كلهن محرمات عليك وإن سفلن.

هؤلاء المحرمات أبدا، قوله -في أول الباب-: يحرم أبدا، يعني محرمات مطلقا، أما المحرمات إلى أمد يعني محرمات تحريما مؤقتا يقول: أخت معتدته أو أخت زوجته، أخت زوجته التي في ذمته حرام عليه، إلى متى؟ حتى يطلق زوجته وتنتهي عدتها، أو تتوفى زوجته فتحل له أختها إذا طلقها، طلق امرأة فلا يتزوج أختها حتى تنتهي عدة المطلقة، سواء بوضع الحمل أو بثلاثة قروء، أو نحو ذلك، لماذا؟ لئلا يجتمع ماؤه في رحم أختين، حتى ولو كانت المطلقة بائنا، وهي المطلقة ثلاثا فلا يتزوج أختها حتى تبِين وتحل للأزواج زوجته، ما دامت محبوسة عليه فإنها تعتبر كأنها في عصمته.

تحرم الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها قال الله -تعالى-: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} ففي الآية تحريم نكاح الزانية، سيما إذا كانت مصرة على الزنا؛ وذلك لأنها فاجرة؛ ولأنها والحال هذه تستحق الحد الذي هو العقوبة المشروعة؛ ولئلا تدخل عليه أولادا من غيره، إذا زنت وحملت من غيره نسبت الأولاد الذين هم من الزنا إليه فيترتب على ذلك مفاسد، صححوا توبتها، ولكن بعدما تقام عليها الحدود، إذا زنت واعترفت وهي بكر وجلدت مائة جلدة وغربت، وظهرت منها التوبة والندم، وعرف بذلك أنها صادقة في توبتها، وانقضت عدتها من ذلك الحمل، أو من ذلك الزنا، ففي هذا الحال أن يتزوجها؛ لأنها أصبحت عفيفة.

قبل ذلك لا يجوز، قال الله -تعالى-: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} فإذا تابت أصبحت من الطيبات، وقبل ذلك تكون من الخبيثات {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} .

تحرم -أيضا- مطلقته ثلاثا، إذا طلقها ثلاث طلقات حرمت عليه، وتسمى بائنا بينونة كبرى، قال الله -تعالى-: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} يعني: الطلاق الرجعي؛ لأنه قال: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} يعني: في الطلقتين، إذا طلقها ثم راجعها ثم طلقها فله مراجعتها {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} ثم قال بعد ذلك: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} يعني: الثالثة {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} فلا تحل مطلقته إذا كان طلاقا ثلاثا -وهي البائنة- حتى تنكح زوجا غيره، وحتى يطأها ذلك الزوج بشرطه.

يعني: لا بد أن يطأ الوطء الصحيح، يعني في حديث فاطمة بنت أبي حبيش ذكرت أنها طلقها زوجها، وأنها تزوجت بعده، وأنها تريد أن ترجع إلى زوجها فقال - صلى الله عليه وسلم -"لا ترجعي إليه حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته"يعني: حتى يطأها الوطء الذي يوجب الحد، أو يوجب الغسل، أن يطأها في قُبُلها بنكاح صحيح مع الانتشار في قبلها، فلو وطأها في الدبر أو باشرها دون الفرج فإنها لا تحل لزوجها الأول حتى يطأها الثاني وطئا صحيحا.

تحرم المسلمة على الكافر، قال الله -تعالى-: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ} العبد المؤمن المملوك خير من الحر المشرك، فلا يحل، وإذا أسلمت تحته فرق بينهما، إن أسلم في العدة رجعت إليه، وإلا حرمت عليه.

"تحرم كافرة على مسلم إلا حرة كتابية"؛ لقول الله -تعالى-: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} عصمتها يعني: ذمتها أي: إذا كان لكم زوجات كوافر -كافرات- فلا تمسكوا بعصمتهن، لما نزلت الآية طلق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - زوجتين له كانتا بمكة كافرات.

ويقول تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ} يعني: مملوكة خير من حرة مشركة، استثنوا حرة كتابية أباح الله -تعالى- نكاح الكتابية بقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} فمثل هذه تحل بهذه الشروط:

الأول: أن تكون كتابية، يعني من أهل الكتاب، كاليهود والنصارى، ومعناه أنه إذا كانت وثنية فلا تحل، وإذا كانت مجوسية أو هندوسية أو بوذية أو قاديانية فإنها لا تحل.

ثانيا: لا بد أن تكون متمسكة بكتابها، فإذا كانوا يتسمون بأنهم يهود، ولكنهم لم يتمسكوا بما في كتابهم أو نصارى، ولم يعملوا بالإنجيل -العمل الواجب-، بل يخالفونه فليسوا كتابيين؛ وذلك لأن من شريعة الكتابيين في التوراة والإنجيل تحريم الزنا، وأما الموجودون الآن فإنهم لا يحرمون الزنا، الموجودون بكثرة الذين يتسمون بأنهم نصارى أو بأنهم يهود، يذكر لنا الذين يسافرون هناك في فرنسا، وفي بريطانيا وفي أمريكا أن المرأة لا تتورع من الزنا، وأن الزنا عندهم أسهل شيء، ولا يغار أحد على ابنته، ولا على موليته، ففي هذه الحال هل تكون كتابية أصلا؟ ما تكون حقيقة.

واشترط أن تكون محصنة أما إذا كانت غير عفيفة، المحصنة هي: المتعففة، فإذا لم تكن عفيفة فلا تحل.

كثير من الذين يسافرون إلى البلاد الخارجية هناك يقول: أتزوجها لأنها كتابية، ولا يشترط أن تكون عفيفة، ولا يشترط أن تكون متمسكة بكتابها، فتكون مرتدة، ما تكون كتابية حقيقية، فنقول: نكاحها حرام، الله -تعالى- ما أباح إلا نكاح نساء أهل الكتاب، يعني الذين من أهل الكتاب حقا، وأباح كونهن محصنات، لقوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} محصنات يعني: عفيفات، فإذا لم تكن محصنة لا تحل لك أن تتزوجها، وإذا لم تكن من أهل الكتاب المتمسكين بكتابهم لا يحل أن تتزوجها.

واشترطوا أن تكون حرة، فإذا كانت أمة كتابية فلا تحل لمسلم.

"يحرم على الحر المسلم نكاح الأمة المسلمة، إلا إذا خاف العنت، عنت العذوبة واحتاج إلى نكاحها لحاجة متعة أو خدمة وعجز عن طول حرة أو ثمن أمة"، قال الله -تعالى-: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني: من المملوكات، فاشترط ألا يستطيع طولا، يعني الطول هو: المهر، فإذا كان لا يقدر على مهر الحرة، ولا على ثمن أمة يستمتع بها إذا وجد الإماء، ثم قال في آخر الآية: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} يعني: خشي الزنا، عنت العزوبة، يعني خاف من المشقة، وأن تحمله الشهوة على فعل الفاحشة، فلذلك قال: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ} أي خاف العنت، عنت العزوبة، وكانت حاجته إلى الاستمتاع لكسر حدة شهوته والخدمة -أيضا-، حلت له الأمة.

ثم قال تعالى: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ؛ وذلك لأنه إذا تزوجها صار أولاده عبيدا لسيدها؛ لأن الأولاد يتبعون أمهم، فيتحسر إذا رأى أولاده مملوكين، يباعون ويشترون؛ فلذلك الصبر خير. حرمة زواج الحرة من عبدها:

"يحرم على العبد سيدته، وعلى السيد أمته":

العبد ليس كفئا أن يتزوج سيدته، ولو كان في ملكها؛ لأنها أرفع منه، السيد يطأ أمته بملك اليمين، فليس بحاجة إلى أن يتزوجها، وكذلك أمة ولده لا يحل له أن يتزوجها إلا إذا لم يكن الابن قد وطئها وخرجت من ملكية ولده، ورد في فضل ما إذا أعتق الأمة ثم تزوجها في الحديث المشهور"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ..."ذكر منهم:"السيد الذي علم أمته ثم أعتقها ثم تزوجها"."يحرم على الحرة قن ولدها":

يعني مملوك ولدها، الحرة لا يحل لها أن تتزوج عبدها، ولا عبد ولدها؛ لأنها أرفع منه. ثم يقول:"ومن حرم وطؤها بعقد حرم بملك يمين، إلا أمة كتابية".

إذا حرم وطؤها بالعقد، يعني -مثلا- حرم وطء أخت الزوجة بالعقد، فكذلك أختها بملك اليمين، لو كان لزوجتك أخت مملوكة واشتريتها فلا تطأها بملك اليمين، لئلا تدخل في قوله: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} وكذلك عمة زوجتك، وخالة زوجتك، وما أشبه ذلك.

المؤلف هنا ما ذكر المحرمات بالجمع، المذكورات إلا قوله:"أخت معتدته، وأخت زوجته". والصحيح -أيضا- أن عمة زوجته، وخالتها وبنت أخيها، وبنت أختها محرمات عليه حتى يفارق زوجته.

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت