فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 722

من أهل الكتاب هذه ما حكمها؟ ماذا نسميها؟ نسميها فيئا، والفيء قد ذكر الله -تعالى- مصرفه {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} أي تصرف في هذه الأشياء، كما يصرف في ذلك خمس الخمس، يعني: خمس خمس الغنيمة، وكذلك الفيء هذا مصرفه.

فصل: ويجوز عقد الذمة لمن له كتاب، أو شبهته ويقاتل هؤلاء حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية وغيرهم حتى يسلموا، أو يقتلوا وتؤخذ منهم ممتهنين مصغرين، ولا تؤخذ من صبي وعبد وامرأة وفقير عاجز عنها ونحوهم، ويلزم أخذهم بحكم الإسلام فيما يعتقدون تحريمه من نفس وعرض ومال وغيرها، ويلزمهم التميز عن المسلمين، ولهم ركوب غير خيل بغير سرج، وحرم تعظيمهم وبداءتهم بالسلام. وإن تعدى الذمي على مسلم، أو ذكر الله، أو كتابه ورسوله بسوء، انتقد عهده، فيخير الإمام فيه كأسير حربي.

بعد ذلك ذكر عقد الذمة:

يجوز عقد الذمة لمن له كتاب، أو شبهته، ومعنى عقد الذمة أن الكفار من اليهود، أو النصارى ونحوهم تعقد لهم الذمة، الذين يشبهونهم هم المجوس، وكذلك أتباعهم قالوا: إن اليهود لهم كتاب التوراة، والنصارى لهم كتاب الإنجيل، أما المجوس فقيل: لهم شبهة كتاب.

الله -تعالى- ما أمرنا أن نعقد الذمة إلا لأهل الكتاب، قال -تعالى- {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) } قيدهم بالذين أوتوا الكتاب، أما الوثنيون فلا يعقد لهم ذمة، وهذا القول المشهور.

ذهب بعض العلماء إلى أنها تؤخذ الجزية من جميع الكفار، من الوثنيين، من المشركين، من الدهريين، من الهندوس والبوذيين ونحوهم؛ وذلك لأن القصد من أخذها هو إقرارهم حتى يعرفوا الإسلام، ثم يدخلوا فيه، وهذا هو الواقع، فإن كثيرا من المجوس، الذين في المدائن وفي خراسان لما رأوا معاملة المسلمين لهم، كان ذلك مما حملهم على الإسلام، فأسلموا، وصاروا من جنود الإسلام، وصار أولياؤهم، وأولادهم من علماء المسلمين.

فإن أبا حنيفة كان أصله مجوسيا، كذلك البخاري كان من أصل المجوس، يعني: أصله.

سبب دخولهم في الإسلام حسن التعامل الذي يشاهدونه من المسلمين، فرأوا أن هذه المعاملة حرية بأن أهلها أهل دين صحيح؛ فلذلك دخلوا في الإسلام فعلى هذا لا فرق بين الكتابي وغيره، أن الجميع تؤخذ منهم الجزية، ولكن لما كانت الآية صريحة {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} أن هذا قيد؛ فلذلك اقتصر أخذ الجزية على أهل الكتاب، فهذا هو السبب.

وإذا نظرنا في الأدلة الأخرى وجدنا فيها ما يوحي بذلك، ففي حديث بريدة الذي في صحيح مسلم قال - صلى الله عليه وسلم -"وإذا لقيت عدوك من المشركين ...""عدوك من المشركين"لم يقل من أهل الكتاب"فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك لها، فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، ثم ادعهم إلى أخذ الجزية، ثم إن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم"فجعل ثلاثة خصال: الخصلة الأولى الإسلام، الخصلة الثانية أخذ الجزية، الخصلة الثالثة المقاتلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت