فاستدل بهذا الحديث على أنها تؤخذ من جميع الكفار، والحكمة موجودة فيه الذين قالوا: لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب، قالوا: لأن عندهم دين يعتقدون صحته، ويظنون أنهم على حق، وأنه دين سماوي، ولكن إذا نظرنا في أن دينهم منسوخ، فلا يعتبر هذا الدين دينا صحيحا، فالحاصل أن الفقهاء قالوا: لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتابين، ومن المجوس، ومن أتباعهم.
أتباعهم الذين دانوا بدينهم، مثل كفار بني تغلب، وكانوا عربا، ولم يدخلوا في الإسلام، ثم لما كان في عهد عمر ضرب عليهم الجزية، فامتنعوا وقالوا: نحن عرب كيف تضرب علينا الجزية؟!! فعند ذلك ضعف عليهم الزكاة، قال: الزكاة التي نأخذها من العرب المسلمين، نجعلها عليكم مضاعفة، فرضوا بذلك، ونفروا من كلمة الجزية، ولكنهم بدلوها باسم زكاة مضاعفة، فهؤلاء هم كفار العرب، لكن تبعوا النصارى، لكن يقول علي وغيره ما تبعوهم إلا في شرب الخمر، إنما يقولون: إننا نصارى باسم. يقاتل أهل الكتاب، ومن تبعهم حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية، أما غيرهم من العرب من الكفار من العرب، أو من العجم الذين لا كتاب لهم، فإنهم يقاتلون حتى يسلموا، أو يقتلون، ليس لهم إلا الإسلام، أو السيف.
الجزية: هي ضريبة تؤخذ منهم سنويا، إن كانت، تؤخذ منهم على قدر اليسار، فكانت تؤخذ من النصارى الذين في اليمن وفي الحبشة اثنا عشر دينارا سنويا، وأما من أهل الشام، ومصر العراق، فإنها تؤخذ أربعة وعشرين لماذا؟
لأنهم أيسر؛ من أجل اليسار؛ ومن أجل كثرة المال والقدرة على الدفع.
وقد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته من يطلبها من البحرين، أرسل أبا عبيدة، وأرسل أبا هريرة وجبوا أموالا كثيرة، وقسمها في حياته، وأعطى منها المستحقين، ولم يدخر لنفسه منها شيئا، وكذلك -أيضا- جبيت بعده ممن التزم بالجزية من المجوس ونحوهم.
تؤخذ منهم ممتهنين، ومصغرين يقول الله -تعالى- {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) } فلا بد أن يعطيها عن يد، ولا يرسل بها خادمه، ولا ولده بل يأتي بها، وهو صاغر، ثم يقف ويطال وقوفه حتى يشعر بالصغار وبالذل وبالهوان"عن يد"لا عن يد غيره لا يوكل من يدفعها.
"وهم صاغرون"الصغار: هو الذل والهوان يشعرون بأنهم أذلاء، وأنهم مهانون لا تؤخذ الجزية إلا من عنده قدرة على دفعها، فمثلا الصبي لا تفرض عليه؛ ذلك لأنه لا يملك، وكذلك العبد المملوك ليس له ملك حتى يدفع منه، وكذلك المرأة التابعة لزوجها، ومثلا، أو لأبيها، وهكذا الفقير العاجز، وهكذا الراهب الذي ينفرد في صومعته للتعبد، ليس غالبا لا يملك شيئا، فمثل هؤلاء تسقط عنهم، وكذلك من يشبههم، مثل الأعمى والزمن والمجنون والشيخ والكبير، أما الرهبان الذين يخالطون الناس، ويتخذون المتاجر والمزارع، فحكمهم كسائر النصارى تؤخذ منهم الجزية، فتؤخذ من الرهبان وتؤخذ من الأحبار، الذين هم علماؤهم، وتؤخذ من التجار، وما أشبههم، وهذا حكمهم في الجزية، ويلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام، فيما يعتقدون تحريمه من نفس، ومال وعرض وغيرها.
يعاملهم بأحكام الإسلام يلزمهم بها؛ لأنهم دخلوا تحت حكم الإسلام، فمثلا إذا حصل بينهم قتال، فإننا نحكم عليهم بالقصاص كما نحكم به على المسلمين، وإذا سرق أحد منهم، ولو كانت السرقة من نصراني مثله حكمنا -أيضا- بحكم الإسلام في قطع يد السارق، وكذلك -أيضا- الزنا يعتقدون تحريمه، فيرجم من زنا منهم إذا ثبت الزنا منه إما بالإقرار، وإما بالشهود يرجم.
قد ثبت"أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر برجم اليهوديين الذين زنيا"وكان اليهود لما كثر فيهم الزنا اصطلحوا على إسقاط الحد الذي هو الرجم وتعويضه بالجلد والتحميم، قالوا: إنه كثر في أشرافنا فاصطلحنا على أن نجعل حدا يقام على الشريف والطليق، وهو أن يركبوه على فرس منكسا، يركبوا الاثنين الزاني والزانية على برذون منكسين، ويحممون وجوههم، ويطوفون بالعشائر، فلما حصل ذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أرادوا أن يحتجوا عليه، وقالوا: احكم فيهم. قالوا: إن حكم فيهم بحد الزنا الذي هو الرجم لم نقبله، وإن حكم بالتحميم قبلناه، وجعلناه حجة لنا.