وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقُتلت، وكذلك صح عن جندب، فهكذا هؤلاء لا تقبل توبتهم: من سب الله ورسوله، أو تكررت رِدَّته، أو ثبت نفاقه، أو عمل سحرا, فيقتلون. يمكن أن يقبل من بعضهم إذا ثبت رجوعه عن ذلك العمل ولم يعد إليه. شروط التوبة
شروط التوبة:
"التوبة واجبة من كل ذنب, ولكن من مثل هذه الأمور التي هي أمور الردة واجبة ومحتمة, شروطها: الإقلاع، والندم، والعزم على ألا يعود، ورد المظالم إلى أهلها".
الإقلاع يعني: ترك ذلك الذنب سواء كان كفرا أو معصية, فالذي يقول بلسانه أنا: تائب ولكنه مُصِرٌّ ومستمر على هذا الذنب, لا يقبل منه، وكذلك الذي ما يندم, يتمدح ويقول: أنا الذي قتلت فلانا, أنا قد زنيتُ كذا وكذا، أنا الذي سببت فلانا، أنا الذي سخرت من كذا وكذا, يتمدح بأفعاله ولا يتأسف عليها، وهكذا الذي يحدث نفسه أنه سوف يعود إلى الذنب سوف يعود إليه إذا تسنى له لا تُقبل توبته.
ويشترط إذا كانت التوبة من حقوق آدميين أن يردها إليهم، فإن كان قتلا مكن من نفسه وقال: أنا الذي قتلت ابنكم، وإن كان ضربا قال: أنا الذي ضربته، أو أنا الذي قطعت يده أو إصبعه, وإن كان مالا قال: هذا مالكم الذي سرقته أو الذي نهبته، أو جحدته, يرد المظالم.
إذا كان الذنب غيبة أو قذفا فهل يستحلهم، ويقول: أنا يا فلان اغتبتُك فحِلَّني، اجعلني في حِلٍّ؟ لا يشترط ذلك، ولكن يمدحه في الأماكن التي كان يغتابه فيها، ولا يشترط أن يقول: أبِحْ لي أو أحلني، يمدحه ويثني عليه ويستغفر الله من ذلك الذنب, وهكذا إذا كان الذنب قذفا، القذف: الرمي لفعل فاحشة, فلا يحتاج أن يأتي إليه، ويقول: اسمح لي فإني قد رميتك، وقلت: إنك زانٍ، أو إنك لُوطِيٌّ. لا يشترط ذلك.
ذكرنا أن الفصل الذي بعده يتعلق بالأطعمة, بعض العلماء يذكرون الأطعمة مع المعاملات, يعني: مع البيع والشراء والإجارة؛ لأن فيها بيان ما هو مأكول وما ليس بمأكول، ولكن ذكروها ها هنا؛ لأن أكثر ما ذكروه من المباحات هو الحيوانات التي تحتاج إلى ذبح؛ ولذلك ذكروا بعده الذكاة، وذكروا بعده الصيد.
فكأنهم لما ذكروا القِصاص، ولما ذكروا الحدود، قالوا: هذا ما يتعلق بالآدمي، فكيف ما يتعلق بالإنسان، فقالوا: إن هناك ما يُقتل من الحيوانات: كالكلاب الضارية، والسباع ونحوها فإنها تُقتل حتى في الحرم والإحرام, ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتلها، وقال:"خمس من الفواسق تقتل في الحل والحرم"وذكر منها: الكلب العقور فعند ذلك قالوا: نحتاج إلى أن نعرف ما يُقتل من هذه الحيوان، وما يؤكل وما ليس بمأكول.
وذكروا بعد ذلك الأطعمة. كل طعام طاهر لا مضرة فيه -حلالٌ، وأصله الحل من النباتات ومن الثمار، ومن الحيوانات، وما أشبه ذلك، الأطعمة يأكل الإنسان منها ما يناسبه، وتأكل الحيوانات ما يناسبها حتى من النباتات، قال الله -تعالى-: {كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} [1] يعني: من هذا النبات، قد يكون بعض النبات يناسب الإنسان أن يأكل منه كبعض أوراق الزرع، أو ما أشبهه، وثمره الذي هو السنبل، وثمر النخل الذي هو التمر، وثمر العنب الذي هو الزبيب، وثمر التين والتوت، وثمر الرمان، وأشباه ذلك من الثمار التي هي من الطيبات طعام طاهر طيب مغذٍ ليس فيه مضرة، فإنه مباح حلال.
وأما إذا كان فيه مضرة -ولو كان يأكله الآدمي- فإنه يكون حراما، هناك -مثلا- ما يسمى بالحشيش يأكله كثير من الناس, ولكنه محرم؛ لأنه مضر، وهناك ما يُصنع من عصير العنب حتى يُسْكِرَ وهو الخمر، فهذا ولو شربه كثيرون لكنه حرام، ولو قالوا: إنه شراب طيب لكنه مُضِرٌّ بالعقل فيكون حراما، وهناك -مثلا- ما يسمى بالقات يأكله كثيرون, ولكنه مضر، ولو كثر الذين يأكلونه فيكون حراما، ولا عبرة بمن يستحلونه فيدعون أنه مأكول، وأن فيه ... وفيه ... ، لا عبرة بهم فإنهم كالبهائم التي تستحلي ما هو مر في ذوق الإنسان، وتستجيز ما فيه مضرة.
(1) - سورة طه آية: 54.