الذين يشربون الدخان يعرفون بأنه مضر، يعترفون، ومع ذلك يستمرون فيه فلا عبرة بهم، والذين يشربون الخمر قد يعترفون بأنها حرام، ولكن مع ذلك يصرون على شربها، والذين يأكلون الحشيش وهو نوع من النباتات مضر ظهر في حدود القرن السادس، وانتشر الأكل منه، وأفتى العلماء بتحريمه حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخمر بمنزلة الأبوال، والحشيش بمنزلة العذرة. (العذرة: الغائط الذي يخرج من الإنسان، تنفيرا منه) .
ومع ذلك يكثر الذين يأكلونه، وكذلك الذين يستبيحون أكل هذا النبات الخبيث: القات، وثمر آخر يقال له: الجير، قد يكون أخف ضررا من القات، ولكن لا منفعة فيه، قد يكون ثمنه رفيعا، ونبات آخر رائحته قبيحة يسمونه البرتجال، وليس هو البرتقال فإنه من الطيبات، ولكن نبات رائحته خبيثة، وكذلك ما يسمى بالشمة الذي يمضغونها ثم يمجون ريقا، هؤلاء لا شك أنهم استحسنوا القبيح فلا عبرة بهم، ولو ادعوا أن هذا من الطيبات فإنه من الخبائث، ولا يغتر بكثرة من يتعاطى ذلك أو من يمدحه.
وفيما يظهر أن الشيح الحكمي -رحمه الله- أول من نظم فيه منظومته لما سئل عن القات، نظم فيه منظومة تائية في تحريمه وبيان آفاته، وذكر من مضاره أنه يضيع الصلاة، يقول في منظومته:
إن جاءه الظهر فالوسطى يضيعها ... أو مغرب فعشاء قطُّ لم يَاتِ
وإن أتاها فمع سهو ووسوسة ...
يعني: يأتيها وهو غير عاقل، رد عليه أحد علماء اليمن يقال له: ابن المهدي ردا ضعيفا، ثم جاءه ذلك الرد فرد عليه أيضا منظومة طويلة افتتحها بالتاء:
الحمد لله في كل البَرِيَّاتِ ... وبدء كل شئون واخْتِتَامات
ثم الصلاة على خاتم النبوات ... محمد مَن أتانا بالكرامات
يعني ما يدل على تمكنه رحمه الله.
يقول:"وحرم نجس"كل شيء نجس فإنه محرم، كالدم الدم نجس؛ لأن الله -تعالى- حرمه، والميتة نجسة فيحرم أكلها إلا ما ذكره الله لقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [1] ولحم الخنزير نجس، ومثله -أيضا- المحرم من الحيوانات.
"وكل ما هو مضر مثل السم"-يذكر في الحاشية أنه مُثلث السين: السُّم والسَّم والسِّم- كل ما يقتل إذا أُكل أو شُرب، وكذلك ما هو مضر من الحيوانات البرية يحرم منها ما يفترس: ما يفترس بنابه كالأسد، والنمر، والفهد والثعلب، وابن آوى، وابن عرس، هذه تفترس ولها ناب.
ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كل ذي ناب من السباع التي لها ناب تفترس به وتعدو على الناس، استثني الضبع، حرمه أكثر العلماء، وأباحه الإمام أحمد؛ لأنه ورد فيه حديث ولكن الأقرب أنه حرام؛ وذلك لأنه ذو ناب, ولأنه يفترس, ولأنه يأكل الجيف, فيكون بذلك أقرب إلى كونه محرما.
ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم -"نهى عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير"المخلب: هو أصابعه المحددة، الطيور بعضها أصابعه محددة يفترس بها، ويأخذ صيده بها قد يمسك مثلا الشيء الثقيل بمخالبه، ويرتفع به يصيد بمخلبه كعقاب، وصقر، وغراب، وبازي، وباشت، وما أشبهها هذه أيضا محرمة لأنها لها ناب تفترس بنابها.
(1) - سورة البقرة آية: 173.