السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين -نبينا محمد- وعلى آله وصحبه أجمعين.
نواصل درسنا من حيث وقفنا في العام الماضي، ولعلنا في هذه الدورة -إن شاء الله- نقرأ: الوقف والهبة والوصايا والحرائر والعتق والنكاح والطلاق، إذا تيسر ذلك، أو ما تيسر منه.
وقفنا على الوقف. الوقف يعرفونه -كما في زاد المستقنع- بأنه:"تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة"؛ ولذلك قالوا: إنه عقد لازم. وقالوا: إنه لا يصح الرجوع فيه، ولا يصح بيعه إلا إذا تعطلت منافعه؛ فيباع ويصرف ثمنه في مثله.
والواقف يقصد الأجر. هذا هو الأغلب على الواقف؛ وذلك لأن الأجر يستمر بعد موت الواقف، ودليله من السنة حديث عمر -رضى الله عنه- أنه"أصاب أرضًا -يعني: ملكها- بخيبر، لم يصب مالًا هو أعجب عنده منها"يعني: فيها نخيل وبستان وثمار وأشجار.
"استشار النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا أفعل بها؟ فقال: إن شئت حبست أصلها وسبلتها"ففعل ذلك عمر -رضى الله عنه-، جعلها سبلًا مسبلة على الفقير والمسكين وابن السبيل والضيف، وفي وجوه الخير، وجعل لمن يشتغل فيها أن يأكل منها غير متأثل مالًا، أي: بقدر عمله فيها.
فهذا تسبيل بستان. يقول: هذا البستان وقف سبلته، لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولا يقسم على الورثة، بل يكون وقفًا يبتغي به وجه الله، ثمرته وما يخرج منه تنفق في وجوه الخير، إذا كان يخرج منه تمر أو عنب أو ثمار مأكولة، أو ينتفع بها، فإنه يتصدق بها على الفقراء وذوى الحاجات؛ فيأتيه أجر هذه الصدقة بعد موته.
ومن الأدلة الحديث الصحيح، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
الصدقة الجارية هي: الوقف الذي هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. فإذا وقف دارًا وقال: يسكنها ذوو الحاجة بدون أجرة. فإنه على خير، له أجر، أو قال: تؤجر ويتصدق بثمنها على المساكين وعلى الفقراء والمستضعفين. فإنه على خير، فهي صدقة جارية.
أو وقف - مثلا - دكانًا وقال: أجرته على فقراء آل فلان، أو فقراء البلد الفلانية، أو فقراء القبيلة -قبيلة كذا وكذا- فله أجره. ولا شك أنه يأتيه الأجر؛ ما دامت عامرة هذه الدار، أو هذه المزرعة، ينتفع بها، وكذلك بقية ما ينتفع به.
ثم لا بد من صيغة، الصيغة: قول أو فعل يصح بقول ويصح بفعل دال عليه. والفعل مثل له، يقول:"كمن بنى أرضه مسجدًا وأذن فيه."وفتح أبوابه، لا يحتاج إلى أن يقول: أشهدكم أني أخرجته من ملكي، وأنه وقف لله.
فإذا بناه مسجدًا، وجعل محرابه إلى القبلة، وجعل له علامات كمنارة ونحوها، وأذن فيه، أو رتب فيه مؤذنًا -أصبح هذا وقفًا، يأتيه أجره مادام المسجد عامرًا بالمصلين.
وكذلك لو كان عنده أرض وسورها، وفتح أبوابها، وأذن للناس أن يدفنوا فيها أمواتهم -أصبحت مقبرة، وأصبحت مسبلة، خرجت من ملكه، وأصبحت وقفًا على أموات المسلمين. إذا أذن أن يصلوا في المسجد، أذن فيه ونحو ذلك، أو يدفنوا في المقبرة.
أما الصيغة القولية فذكر أن لها صريحًا وكناية. يقول:"صريحة: وقفت وحبست وسبلت. وكنايته، يقول: تصدقت وحرمت وأبدت."
فإذا قال: وقفت هذا الكتاب أو حبسته أو سبلته، أصبح وقفًا ولزمه، ولم يجز له بعد ذلك بيعه، وأصبح ينتفع به من احتاج إليه، أو من وقف عليه. وكذلك لو قال: حبست هذا المكبر وجعلته لله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، أصبح بهذه الكلمة وقفًا، وأصبح لازمًا، خرج عن ملكه، ولا يحق له أن يرجع فيه.
وكذا لو قال: سبلت هذا المكيف، خرج عن ملكه. كلمة"سبلت"صريحة في أنه أراد بذلك إخراجه وجعله وقفًا، وكذلك"وقفت وحبست"هذه عبارات صريحة.