فهرس الكتاب

الصفحة 601 من 722

الظن أنه محرم؛ وذلك لأن عادة الطفل أنه إذا بكى إنما يسكت إذا التقم الثدي، فيحكم بالرضاع إذا كانت ترضعه كلما ذهبت أمه، أو نحو ذلك، فيقبل قولها: إنها قد أرضعته، ويحكم بأنها أمه من الرضاعة.

وإذا لم يكن فيها لبن، إنما يمسك الثدي لأجل أن يسكت، وهي كبيرة ابنة ستين أو سبعين لا لبن فيها، فمعلوم أنه لا يؤثر إمساكه، إمساكه كما يمسك المصاصة، إنما تمسكه حتى يمتص؛ لأجل أن يسكت، فيمتص منه فلا يؤثر، لكن وجد أن كثيرًا من كبار الأسنان درَّت، وهي بنت ثمانين على طفل، هذا وقع كثيرا.

وذلك مثلًا: ماتت أم هذا الطفل، وهو في الشهر الأول، ولم يكن هناك من يرضعه لا عمة ولا خاله ولا غير ذلك، وكان هناك جدة أو جدة أبيه أو نحو ذلك، فمن رقتها به وشفقتها عليه تدر عليه بإذن الله من آثار الرقة، ففي هذه الحال يحرم لبنها؛ لأنه تغذى به، وأما إذا كانت بكرًا، فإنه لا يحرم، يعني لو أن شابة ما تزوجت عمرها في العشرين، أو نحوه درت على طفل فهل يحرم؟ لا يحرم؛ لأن هذا اللبن لم يتولد من حمل، وليس لها زوج، فالغالب أنه ليس لبنًا صريحًا، وأنه لا يحصل به التغذية فلا يكون محرمًا.

وإذا ارتضع اثنان من امرأة أجنبية ليست أما لواحد منهما، فإنهما يكونان أخوين، أخوين من الرضاعة. دليل ذلك قصة عقبة بن عامر يقول: إني تزوجت أم يحيى بنت أبي إيهاب، فجاءتنا أمة سوداء، وقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فتوقف في ذلك عقبة، وقال: لا أعرف أنك أرضعتني، فأصَّرت وقالت: بلى قد أرضعتك، وأرضعتها، بمعنى أنها لا تحل له؛ لأنها أخته، وإن لم تكن رضعت من أمه، ولا رضع من أمها، ولكن رضعا جميعًا من امرأة أخرى.

تذكرون في القصة أن عقبة كان بمكة، ثم إنه رحل إلى المدينة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، يقول: فسألته فأعرض عني، فسألته، وقلت: إنها كاذبة، فقال: كيف وقد زعمت؟. كيف وقد ادعت أنها أرضعتكما؟، دعها عنك، فطلقها، وفارقها عقبة، وتزوجت غيره، فيقولون: يثبت بإخبار مرضعة مرضية، وبشهادة عدل مطلقًا رجل أو امرأة لقصة عقبة هذه، امرأة واحدة قبلت شهادتها، سواء كانت هي المرضعة أو غيرها، إذا جاءت امرأة، وقالت: أشهد أن هذا الطفل أو هذا الشاب قد رضع من لبن فلانة امرأة سمتها، أو جاء رجل عدل، وقال: أشهد أن هذا الطفل أو هذا الشاب قد رضع من لبن فلانة، أرضعته فلانة، يُقْبَل قوله، أي: يثبت الرضاع بشهادة واحد أو بشهادة واحدة أو بشهادة المرضعة نفسها؛ وذلك لأنه لا يعلم، لا يعلم إلا من قبلها، فيترتب على عدمه عدم ردها عدم ثبوت الرضاع، الأصل أن الرضاع غالبًا يكون خفيًا، وليس هناك شهود، ما هناك رجال يقولون: نشهد أنا رأينا هذه المرأة ترضع هذا الولد، الغالب أنه شيء يختص بالنساء.

ذكروا في الشهادات أن النساء تقبل شهادتهن في الأشياء التي لا يطلع عليها الرجال غالبًا، فإذا جاءت المرضعة، وأخبرت بأنها قد أرضعت هذا الطفل قُبِلَ قولها أو جاءت امرأة، وقالت: إنها قد أرضعت هذه أو هذه قُبِل قولها، أو شهد بذلك شاهد واحد.

مسائل الرضاع مسائل كثيرة، توسع فيها العلماء، ولكن المؤلف اقتصر على أهمها.

ذكر بعده"باب النفقات". النفقات هي الإنفاق على الزوجات والإنفاق على الأقارب، ولكن الأصل الذي يكون فيه خلاف، وهو من الواجبات نفقة الزوجة بمعنى إعطائها من النفقة ما يكفيها، دليل ذلك قول الله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [1] الضمير يرجع إلى الوالدات: {* وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} [2] قال بعد ذلك: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} [3] المولود له هو الزوج عليه"رزقهن": رزق الزوجات حتى ولو لم يكن مرضعات.

وأما إذا طلقت فإن عليه أجرة إرضاعها لطفلها؛ لأن الله ذكر في صورة الطلاق أجرتهن. قال تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ} [4] إسرافًا، في هذه الأزمنة الموسر غالبًا يكون أكلهم ثلاث أكلات: أكلة في الصباح في أوله، وأكلة بعد الظهر، وأكلة في الليل.

عادتهم وإن كان عادة المتوسطين أكلتين صباحًا ومساءً، لكن إذا كان أهل اليسار على هذا، فإنه كذلك، ثم الأكلات أيضًا تختلف أكلات الموسرين عن أكلات الفقراء، فأهل اليسار يأكلون أفضل {أُجُورَهُنَّ} [5] إذا كانت مطلقة، وأرضعت ولدك على الزوج نفقة زوجته من مأكول ومشروب وكسوة وسكنى بالمعروف لقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [6] المعروف هو الشيء المعتاد يعني الذي هو متعارف عليه بين الناس، أو الذي هو مناسب لحالة الزوج أو مناسب لحالة الزوجة، ثم يقول:"لموسرة مع موسر إذا تنازعوا نفقتها من أرفع خبز البلد وأدمه كعادة الموسرين، وما يلبس مثلها وما ينام عليه": يعني إذا كان موسرا وعنده ثروة، وهي أيضًا من الموسرين، وأهلها نشئوا في ثروة، وهي نشأت في ثروة، فنفقتها في هذه الحال من أرفع ما ينفقه أهل اليسار من أفضل الأطعمة سواء الخبز أو الأرز، يعني أعلى أنواع الأطعمة وأنفسها؛ وذلك لأنها نشأت على ذلك، وهو أيضًا نشأ على ذلك فيعطيها ما اعتادته، ولا يضره ذلك، ولا يخل باقتصاده.

عادة الموسرين التوسع في النفقة، وإن كان بعضهم يكون توسعه الأطعمة من الأرز من أعلى أنواعه وأحسن أنواع اللحوم، وكذلك الأدم، اللحوم والفواكه والخضار وما أشبه ذلك من الأنواع التي يتفكه بها هذه عادة الموسرين، فيوفر لزوجته ما كانت اعتادته، وما كان اعتاده، نفقة الموسرين.

وكذلك المشروبات إذا كان هناك مشروبات مباحة، فإنه يوفرها من المياه والعصيرات والألبان وما أشبهها، وكذلك الكسوة أعلى أنواع الكسوة وأنفسها كعادة الموسرين، وكذلك فرش الدار التي يجلس عليها أحسن أنواع الفرش، وكذلك فراش النوم أحسن أنواع فرش النوم، وهكذا هذه عادة الموسرة تحت الموسر.

"الفقيرة مع الفقير كفايتها من أدنى خبز البلد وأدمه وما يلبس مثله وينام ويجلس عليه".

وذلك لأنها نشأت في فقر، وهو نشأ في فقر فلا يكلف أن ينفق عليها مثل نفقة الموسرين، فيشتري من أرخص الأطعمة أرخص أنواع الطعام بقدر الكفاية وبقدر قوت وبقدر سد الجوع، يعني ولا يتوسع في المأكولات الأخرى، فلا يتوسع في الخضار ولا في الفواكه ولا في اللحوم.

إذا كان عادة فقراء أهل بلده يأكلون من اللحوم فله أن يطعمها كل أسبوع من أرخص اللحم كلحم إبل أو نحوه فإذا انشق ذلك عليه اقتصر على سد الجوع على ما يسد الجوع، ويقتصر على أكلتين غداء وعشاء"كفايتها من أدنى -يعني من أرخص- خبز البلد وأدمه"إذا كان الفقراء يأتدمون بالزيت ائتدم به أو بالخل أو بالشحم المذاب أو بالسمن المذاب أو باللحم، ولو لحمًا يسيرًا رخيصًا، أدم أرخص الأدم.

(1) - سورة البقرة آية: 233.

(2) - سورة البقرة آية: 233.

(3) - سورة البقرة آية: 233.

(4) - سورة الطلاق آية: 6.

(5) - سورة الطلاق آية: 6.

(6) - سورة البقرة آية: 233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت