ولكن هذا ليس بصحيح. شروط الشارع عن المشرع الذي هو النبي -صلي الله عليه وسلم- مقدمة ويلزم العمل بها، وأما شروط الواقف، فالواقف بشر؛ فقد يشرط شرطًا يخالف مقتضى الشرع، فلا يجوز العمل به.
وقد ذكرنا أمثلة: فيما إذا شرط أن يتولى وقفه فاسق، وأن يعين في المسجد إمامًا صوفيًا أو قبوريًا، أو شرط أن يدفن في مسجده: إذا مت فادفنوني في مسجدي. فإن هذه شروط تخالف مقتضى الشرع، فلا يعمل بها.
وهكذا الشروط التي تكون على باطل، أو على محرم. فلو شرط أن غلة هذا الوقف تعمر بها الكنائس، أو ترفع بها القباب على القبور، أو يطبع بها الإنجيل أو التوراة أو كتب الإلحاد، فمثل هذا لا يصح العمل بشرطه؛ وذلك لأنه يخالف مقتضى الشرع.
فلا بد أن تكون شروطه موافقة للشرع. فإذا شرط أن يتولى إمامة المسجد فلان وكان كفئا، أو يؤذن فيه فلان وكان أهلًا لأن يتولى المئذنة، أو شرط أن وقفه ينظر فيه -يعني تأجيره وإصلاحه- أحد أولاده وكانوا مأمونين وموثوقين، فإن هذا شرط يوافق مقتضى الشرع.
وكذلك مصرف الوقف. فإذا شرط أنه يصرف في المساكين، أو يصرف على المساجد، أو على القناطر، أو على المدارس الخيرية كمدارس تحفيظ القرآن، أو على المجاهدين، أو على طبع الرسائل والكتيبات الإسلامية والأشرطة الدينية -فإن هذه شروط فيها مصلحة.
أما إذا لم يشرط بل قال: الوكيل على هذه الأوقاف فلان والنظر له ينظر نحو الأصلح. فهذا الوكيل ينظر نحو الأصلح. يمكن في هذه السنة أنه يتصدق به على الفقراء والمساكين، ويمكن في السنة الثانية يصرفه على المجاهدين، يمكن في السنة الثالثة يعمر به مساجد، وفي السنة الرابعة يطبع به كتبًا أو أشرطة، فيكون النظر موقوفًا على اختيار ذلك الوكيل. فلا بد أن يكون الناظر رشيدًا عالمًا.
ذكر أنه إذا لم يعين فالنظر للموقوف عليهم. فإذا قال: غلة هذا الوقف على أولاد زيد أو أولاد عمرو أو أولاد أخي فلان. في هذه الحال الناظر يكون واحدا منهم. هو الذي يؤجره ويعمره ويطلب الإيجار، ويصلحه إذا وهى، ويرممه ويحاسب من جلس فيه واستأجره، ويقبض الأجرة ويفرقها كما يريد، ويعطي من هو الأحق.
الوكيل هو أحد الموقوف عليهم. يتفقون على واحد رشيد: أنت يا أخانا أنت أصلحنا وأفرغنا وأعقلنا، نجعلك وكيلًا على وقفنا. سواء كان الوقف عقارًا يعني: كشقق أو دكاكين، أو كان بستانًا فيه نخيل وأعناب وتين ورمان وأشجار مثمرة، هو يحتاج إلى وكيل.
هذا الوكيل يحفر الآبار ويجري الأنهار، وكذلك يحاسب العمال ويعينهم ويتفقد عملهم، ويوكل على التلقيح، وعلى التشميس وعلى السقي وعلى الحرث، والزبر والصرام والجذاذ والحصاد، وما أشبه ذلك. فالوكيل يتعب، يجوز أن يجعلوا له جعلًا مقابل تعبه، كأن يقولوا: لك في المائة عشرة أو في المائة خمسة من غلة هذا الوقف، مقابل تعبك ومقابل عملك وشغلك.
يجوز أن يأكل منه لو كان أجنبيًا. لو عجز الموقوف عليهم عن الإشراف على هذا الوقف وعمارته، أو عن حرثه وزبره وإصلاح الحرث وما أشبهه، واستأجروا أجيرًا وجعلوا له جعلًا: لك من كل عشرة واحدًا أو اثنان لك في المائة عشرة أو عشرون، مقابل إشرافك وتعبك، فأنت تشتري المحروقات، - مثلا - وتحاسب العمال وتتفقد عملهم وتوظفهم.
أنت يا هذا تسقي، وأنت تصلح مجاري الماء، وأنت تلقح، وأنت تقطع الأغصان الرديئة، وأنت تصرم وأنت وأنت، ففي هذه الحال يتعب -فيجعلوا له جعلا. إذا كان الموقوف عليهم محصورين، كأن يقول: أولاد أخي. وهم خمسة، فيختارون واحدًا منهم، أو يتفقون كلهم في الإشراف وفي النظر.
وكذلك إذا كان الموقوف منقولًا فلا بد -أيضا- أن يكون عليه ناظر. فكثيرًا ما يكتبون على الكتاب:"هذا كتاب وقف لله - تعالى - على طلبة العلم، والناظر عليه فلان ومن بعده فلان."وظيفة هذا الناظر: -الوكيل- أنه يحفظه من التلف، وإذا أعاره إنسان توثق أنه سوف يرده إلى مكانه، وكذلك يحدد له مدة إذا قال: أعرتك عشرة أيام أو نحو ذلك. فعليه أن يحتاط.