وكل ما يأكل الجيف كالكلاب والسنانير القطط، ومن الطير النسور، والرخم وما أشبهها مما يأكل الجيف؛ لأن الجيف محرمة، وما أكلها فهو محرم، وكل ما تستخلفه العرب ذوي اليسار، العرب الذين هم أهل يسار وسعة من الرزق بخلاف الضعفاء والفقراء ونحوهم؛ فإنهم قد يأكلون الخبائث.
حتى سئل بعضهم: ماذا تأكلون من الدواب؟ فقال: نأكل كل ما دبَّ ودرج إلا أم حُبَين. وأم حُبَين: دابة كهيئة الخنفسة، يأكلون كل ما دب ودرج، يأكلون الفئران، ويأكلون الخنافس، ويأكلون الحشرات -مثلا- التي يمكن أن يصيدوها حتى الزنابير والفراش وما أشبه ذلك، ولا شك أن هذه مستخبثة.
مثَّل بطير يقال له: الوطواط هذا -أيضا- محرم؛ لأنه مستخبث، والقنفذ وهو الذي عليه شوك على جلده, والنيص مثل القنفذ إلا أنه أكبر منه ولكن شوكه طويل قد اكتسى بجلده, إذا جاءه أحد فإنه ينفض جلده وتطير الشوكة نحو عشرة أمتار تصل إلى الذي يريد أن يرميه بذلك الشوك.
"وما تولد من مأكول وغيره كبغلٍ"؛ لأنه يتولد من الحمار والخيل, فيكون محرما فهذه هي المحرمات من الحيوانات. ذكروا أن مما حرم في الحديث الحمر الأهلية؛ لأنها مستخبثة ولو كانت من بهيمة الأنعام.
ومما حرم -أيضا- ما يتغذى بالنجاسة كالجلاَّلة من الإبل أو البقر أو الغنم، وهي التي تأكل العَذِرة إلحاقا لها بالمستخبث, إذا كان أكثر طعامها من هذه النجاسات, تتبع العذرة وتأكلها فتكون بذلك تأكل نجاسة، يقولون: لا يشرب لبنها، ولا يؤكل لحمها حتى تُحبس ... تحبس الناقة أربعين يوما كما ذكر ذلك بعضهم، وتطعم حلالا حتى يطيب لحمها، وكذا يحبس غيرها.
وهكذا -أيضا- الدجاج الذي يأكل العذره فإنه لا يحل حتى يطيب لحمه، يعني: يحبس إلى ثلاثة أيام -وقيل عشرة- ويطعم حلالا.
يقول:"ويباح حيوان البحر كله سوى ضفدع، وتمساح، وحية".
الضفدع: تخرج في البر تخرج على الساحل, ولها نقيق فتكون ليست من حيوانات البحر؛ حيوان البحر هو الذي لا يعيش إلا في البحر.
والتمساح لا يعيش إلا في البحر، ولكن قالوا: إنه سام أو إنه مضر، وحية البحر مثل حية البر، وإن لم يكن فيها سم، بقية حيوان البحر يكون حلالا.
من اضْطُرَّ أكل من المحرَّم غير السم، ما يسد رَمَقَه، إذا اضطر ووجد ميتة أو وجد غير مباحٍ كأسد ميت أو ثعلب، أو قط، أو غراب فله أن يأكل منه ما يسد رمقه، يأكل ما ليس بضار، أما الشيء الضار كالسم فليس له أكله؛ لأنه يقتل.
بعد ذلك ذكر الضيافة، قال الله -تعالى-: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) } [1] أخبر الله -تعالى- بأن إبراهيم كان يكرم الضيف، كل من نزل به أكرمه، وجاء في الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم -"من كان يؤمن بالله، واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته, قالوا: ما جائزته؟ قال: يومه وليلته, ثم قال, الضيافة ثلاثة أيام, ومن زاد على ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه".
قديما كان المسافرون يأتون على أرجلهم، وليس مع أحدهم متاع فيمر بقرية فينزل عند بعض المنازل ... عند بعض أهل البيوت، وإذا نزل علَّق متاعه أو نعليه؛ صار لذلك ضيفا، صاحب المنزل يطعمه غداء وعشاء كعادة أهل البلد، يطعمه مما يأكل هو وأهله، هذا هو الإكرام"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".
الضيافة في الأصل يوم وليلة, وإذا زاد فإنها ثلاثة أيام، فإن زاد على الثلاثة فله أن يعتذر منه ويقول: قد انتهت مدة الضيافة فانتقل عني، كذلك يقول:"لا يحل للضيف أن يثوي عند صاحب البيت حتى يحرجه"ويشق عليه بل يكون خفيفا، ولا يخجل صاحب البيت.
(1) - سورة الذاريات آية: 24.