يقول:"والجاري كالراكد"إذا كان نجسا، عليه أثر النجاسة، فلا فرق بين كونه يجري أو كونه راكدا.
ثم إن الفقهاء قسموا الماء إلى يسير وكثير، وحددوا اليسير بأنه القلتان فأقل، وأن ما فوق القلتين أو ما بلغ القلتين هو الكثير، وقالوا: القلتان هي الحد الأعلى لحمل النجاسة، فإذا كان الماء دون القلتين فوقعت فيه نجاسة -ولو يسيرة ولم يتغير- فإنه يعتبر نجسا، وإذا كان كثيرا فلا ينجس إلا بالتغير.
هذا هو كلامهم، فيقولون مثلا: إذا كان الماء دون القلتين -يعني قِربتين أو ثلاث قرب- وقع فيه عظم ميتة مثلا فإنه ينجس، أو وقع فيه قطرات بول أو دم، ولكنها لم تظهر، ولم يظهر أثرها، فإنه يعتبر نجسا ويستدلون بحديث القلتين:"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث"أو لم ينجس، مفهومه أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث، فيظهر أثر النجاسة فيه، فلا يُتوضأ به.
ثم قدروا القلتين، قدروهما بخمس قرب، وقدروهما بمائة رطل، وسبعة أرطال، وسبع رطل بالدمشقي، والرطل ميزان كان معروفا عندهم.
فالصحيح على هذا، الصحيح القول بأن الماء قليله وكثيره طهور حتى يظهر أثر النجاسة فيه، وأنه لا فرق بين القلتين، وما فوق القلتين، وما دون القلتين، ولا فرق بين القليل والكثير، وأن الحد الفاصل هو التغير، فإذا ظهر أثر النجاسة طعما أو لونا أو ريحا فإنه نجس.
فصل: كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله، إلا أن يكون ذهبا، أو فضة، أو مضببا بأحدهما، لكن تباح ضبة يسيرة من فضة لحاجة، وما لم تعلم نجاسته من آنية الكفار وثيابهم طاهرة.
بعد ذلك تكلم على الآنية:
وذلك لأن الماء يحتاج إلى آنية تمسكه، فالآنية الأصل فيها الطهارة، سواء كانت من الزجاج، أو من الخشب، أو الحجارة، أو الحديد، أو النحاس، أو الصفر، أيا كان أكثر آواني تتخذ من الجلود مثلا، الجلود التي تدبغ ويجعلونها آواني، وكذلك يصنعونها أيضا، ينحتون من الحجارة، أو من الخشب، ثم في هذه الأزمنة أيضا تتخذ من الربلة، أو ما أشبهه من المعادن الجديدة.
فكل الأواني طاهرة، يباح اتخاذها واستعمالها، إلا آنية الذهب، أو الفضة، أو المضبب بهما، لا يباح اتخاذه اقتناء ولا استعمالا، وردت فيه أحاديث مشهورة، كما في بلوغ المرام.
واختلف في العلة، ففي بعض الروايات:"إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"وعلل بعضهم بأن فيها كسر قلوب الفقراء، والصحيح أنها تجمع الأمرين: أن فيها إسرافا، وفيها كسر قلوب الفقراء، وفيها تعجل لحظ العبد من الآخرة:"من شرب فيها في الدنيا لم يشربها في الآخرة""لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
ويعم ذلك كل ما يصاغ من الذهب والفضة، ويعم الكئوس، الكأس من ذهب أو من فضة، والفنجان من ذهب أو فضة، ويعم الأقداح، القدح والإناء وما أشبهها، ويعم القدور والصحون ونحوها، لا يجوز اتخاذها من ذهب ولا من فضة؛ لهذه الأحاديث، لهذه العلة.
واختلف فيما إذا توضأ من إناء ذهب أو إناء فضة، هل يرتفع حدثه؟.
الصحيح أنه يرتفع؛ لأنه استعمل الماء في الأعضاء، ويعتبر آثما بالاستعمال، وأما الحدث فإنه يرتفع لوجود رافعه.
"المضبب"هو المُلَحَّم إذا كان فيه لُحمة، إذا انصدع مثلا، إذا انصدع طرفه ثم لُحِّم بفضة يسيرة لحاجة جاز، وأما إذا لُحِّم بذهب فلا يجوز، وكذلك إذا طُعِّم أو طلي، المطعم الذي فيه خروق محشوة بذهب أو فضة، والمطلي به الذي يطلى بماء الذهب أو نحوه لا يجوز استعماله إلا الضبة اليسيرة لحاجة إذا كانت من فضة، لهذه الشروط أن تكون من فضة، وأن تكون يسيرة، وأن تكون لحاجة.
يقول: آنية الذهب والفضة محرمة مطلقا، حتى على النساء، معلوم أن النساء يباح لهن التحلي، لباس الذهب، ولباس الفضة، كأسورة وقلائد وخواتيم وأقراط، ومع ذلك فإن آنية الذهب والفضة شربا أو استعمالا أو