فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 722

فننتبه إلى مثل هذا: أن المغصوب يرفع الحدث مع كون صاحبه آثما باستعماله، نقول: أنت آثم إن شربته، وإن أرقته، وإن توضأت به، وإن غسلت به إناء، وإن غسلت به نجاسة. فأنت آثم، ولكن لا تبطل طهارتك، فالإثم هاهنا بالغصب، إلا إذا كان مضطرا، ومنعه صاحبه بغير حق، فإن له أن يغصبه، أن ينقذ نفسه إذا كان مضطرا إلى شرب، يُخشى عليه الموت عطشا، فله أن يغصبه بقيمته.

قوله:"وغير بئر الناقة من ديار ثمود": ديار ثمود هي التي تعرف الآن مدائن صالح، ذهب كثير من العلماء إلى أن الآبار كلها يتوضأ بها إلا بئر الناقة، واستدلوا بأنه - صلى الله عليه وسلم - لما وردوها نهاهم أن يشربوا منها، والذين عجنوا من تلك الآبار علفوا نواضحهم ودوابهم بذلك العجين، والذين ارتووا أراقوا ما ارتووا.

ثم إن بعض العلماء قال: إن هذا من باب الزجر؛ ولذلك قال:"فيحل بكم ما حل بهم"والصحيح أن الحدث يرتفع بها أصغر أو أكبر، سواء من بئر الناقة أو غيرها، وإنما من باب الزجر.

أما الطاهر الذي عندهم طاهر غير مطهر، لا يرفع الحدث، ولا يزيل النجس، فهو المتغير بممازج، عرفنا الممازج وهو المخالط، فإذا صُب عليه لبن، أو صُب عليه مرق، أو صُب عليه حبر، فإنه ممازج، يعني مثل هذا لا يرفع الحدث.

لكن إذا قيل: إن المياه قسمان. فكيف نسمي هذا؟ ما نسميه ماء؛ لأنه انتقل اسمه؛ نقول: هذا مرق، فلا يسمى ماء، أو نقول: هذا لبن إذا رأيناه أبيض، أو نقول: هذا شاي، أو قهوة، نقول: هو طاهر في نفسه، ولكن لا يسمى ماء.

والوضوء إنما يكون من ماء، قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [1] {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) } [2] فعلى هذا لا يدخل في اسم الماء؛ لأنه تغير بممازجه.

ثم اختلف في المستعمل، إذا -مثلا- توضأت، وجمعت الماء الذي مر على جسدك في طست، فهل هذا الماء الذي تَصابَّ من أعضائك طهور أو طاهر؟.

يقولون: إنه غير طهور.

الصحيح أنه طهور، ولكن لا يُشرع أن يُتوضأ به، ولا أن يُغتسل به، لأنه قد رُفع به حدث، فلا يُرفع به حدث آخر، ولأنه لو كان يستعمل مرة ثانية ما فرط الصحابة والنبي - صلى الله عليه وسلم - بإتلافه، يتوضئون ويتركون الماء، الأعضاء، ينصب على الأرض، وتشربه الأرض، فلو كان يُنتفع به مرة ثانية لتلقوه، ولتلقفوه، وبكل حال فالماء المستعمل لا يُرفع به حدث آخر، ولو كان طهورا.

الثالث: النجس الذي يحرم استعماله، تعريفه: أنه ما تغير بنجاسة في غير محل تطهير أو لاقاها.

يقول:"إذا تغير بنجاسة"التغير يكون بأحد أوصافه: اللون، أو الريح، أو الطعم، ورد في حديثٍ، في حديث بئر بضاعة:"الماء طهور لا ينجسه شيء"في رواية ضعيفة:"إلا ما تغير طعمه أو ريحه أو لونه بنجاسة تحدث فيه".

ذكر هذه الرواية في بلوغ المرام، وضعفها كثير من العلماء، من حديث أبي أمامة وغيره، ولكن يقول الإمام أحمد: العمل عليها؛ وذلك لأن الميتة نجسة، فإذا ظهر أثر الميتة في الماء فإنه ينجس.

وكذلك الدم نجس، والبول نجس، فإذا ظهر أثر البول أو الدم أو الرجيع في هذا الماء لونا أو ريحا أو طعما فإنه ينجس، لا يجوز استعماله.

وأما إذا لاقاها في محل التطهير، صورة ذلك: غسل نجاسة الكلب، تُغسل سبعا، محل التطهير آخر غسلة، فإذا كان لآخر غسلة فإن المكان قد طهر، فالماء الذي ينفصل عنه في آخر غسلة يعتبر طاهرا، وكذلك الثوب إذا كان به نجاسة، فالغسلة الأخيرة التي يكون طاهرا بعدها، الماء الذي ينفصل يعتبر طاهرا.

(1) - سورة النساء آية: 43.

(2) - سورة الفرقان آية: 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت