فالجواب: أن نقول: هذه رشوة، ولو سميتها هدية، فإنك بذلك تضر غيرك، وإن الواجب عليه أن يسوي بين جميع الممنوحين ونحوهم، فلا يقدم هذا؛ لأنه يعرفه، أو هذا صديقه، أو هذا من أسرته، أو هذا كبير قوم، أو هذا أهدى إليه، أو ما أشبه ذلك.
وأما حديث:"هدايا العمال غلول"فهو مشهور إن كان بهذا اللفظ في إسناده مقال، والأصل فيه قصة ابن اللتبية الذي ولاه النبي - صلى الله عليه وسلم - على جمع الزكاة من البهائم، فجاء وقال:"هذا لكم، وهذا أهدي لي ..."أنكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال:"هلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا".
المعنى: أنهم أهدوا له حتى يتسامح معهم، إذا كان عليهم -مثلا- خمس شياه سمينة، أهدوا له شاة، وأعطوه خمسا هزيلة وقبلها، فمثل هذا يعتبر رشوة، ولو سموها هدية؛ لأنهم يقصدون بذلك أن يخفف عنهم، وكذلك أصحاب الثمار لا يجوز له أن يستضيفهم؛ لأنه قد يزيد في خرص من لم يضيفه أو لم يكرمه، ويتغاضى عن الذي أكرمه والذي زاد في إكرامه ينقص عليه من الزكاة؛ فلذلك لا يجوز له والحال هذه.
فأمر الهدايا والهبات فيه تساهل كثير، ويقع به ضرر على الفقراء الذين لا يجدون ما يهدون، يتضررون حيث إن أولئك الذين هم أهل طمع وأهل مقاصد دنيوية يقدمون من أهدى إليهم في القضايا وفي الكتابات وإخراج الصكوك، وكذلك في المنح وما أشبهها، فلا يجوز إذا عرفنا هذا الحكم فلا يصح أن يقبل شيئا من هذه الهدايا ونحوها.
وعندنا فيما يتعلق بالعطية ما يحل على الأب أن يأخذ من مال ولده، عرفنا شروطه يقول:"وليس لولد ولا لورثته مطالبة أبيه بدين ونحوه، بل بنفقة واجبة"، إذا كان لك دين على والدك، فليس لك أن تطالب أباك بهذا الدين، وتقول: إني لي عندك دين يا أبي، فإن دفعه ورده فلك أخذه، وإلا فله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، فإذا استدان منه دينا فليس له أن يطالبه، ويقول: أعطني يا أبي الدين الذي عندك.
وكذلك لورثة الابن إذا مات الابن فليس لورثته مطالبة أجدادهم، ويقولون: إن أبانا كان له دين عندك -أيها الأب الأبعد، أيها الجد- فليس لهم ذلك، وظاهر هذا أنه يجوز أن يأخذ من مال أولاد ابنه؛ لأن الجد في منزلة الأب؛ فيأخذ من مال ابنه، ومن مال ابن ابنه، وإن نزل؛ لأن الجد أب فله أن يأخذ من مال ابنه وابن ابنه ما لا يضر الابن، ولا تتعلق به حاجته.
متى يجوز للابن مطالبة أبيه بالنفقة الواجبة؟ فأنه يجب عليه أن ينفق على أولاده، الأصل أن الأب لا يجمع الأموال إلا لأولاده غالبا؛ فلذلك إذا احتاجوا للنفقة الواجبة الضرورية، وجب عليه أن ينفق عليه بقدر كفايتهم طعاما وشرابا وكسوة وسكنى، وكذلك الحاجات الضرورية كتزويج، وما أشبهه، عليه أن يعطيهم حاجتهم.
وللأب أن يسوي بينهم في النفقة فلا يزيد لهذا عن هذا، أو لهؤلاء؛ لأنه يحبهم، بل يعطيهم بالسوية، فلا يشتري لهذا كسوة غالية ولهذا كسوة رخيصة، أو يطعم هؤلاء من اللحوم والفواكه، وهؤلاء من يابس الخبز وما أشبهه، عليه أن يسوي بينهم، وإذا قصر عليهم وكادوا أن يجوعوا فلهم مطالبة أبيهم حتى يسد خلتهم وحاجتهم.
ذكر بعد ذلك تصرفات المريض، متى تكون نافذة؟ أو تكون غير نافذة؟ إذا كان المرض غير مخوف فتصرفه كتصرف الصحيح، فإذا كان -مثلا- معه وجع ضرس، أو وجع عين، أو ألم في إصبعه، أو صداع يسير في رأسه، أو شبه حرارة، أو سعلة يسيرة، أو ألم في يد أو رجل، فإنه يتصرف تصرفا صحيحا، فله أن يعطي، وله أن يتصدق، وله أن يوقف؛ وذلك لأنه شبيه بالصحيح، والإنسان في صحته يتصرف كيف يشاء، يتصدق والصدقة في حالة الصحة أفضل قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"أفضل الصدقة أن تصدق، وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمسك حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان".
فلا يجوز له أن يتصدق في حالة المرض المخوف إلا بالثلث فأقل، فإذا كان إنسانا صحيحا، وتصدق بنصف ماله، أو الثلثين تصدق به أو سبَّله، أو أعطاه لمستحق، أو ما أشبه ذلك فليس لورثته منعه، وكذلك لو أوقف أموالا كثيرة، أو تبرع بها وأعطاها لبعض أقاربه، أو بنى بها مساجد، أو ما أشبه ذلك، فكل ذلك جائز في حالة الصحة.
أما إذا كان المرض مخوفا فليس له تصرف إلا في الثلث، المرض المخوف شبهوا أو مثلوا له بالبرسام أو الإسهال، فالبرسام مرض في الرأس يختل به الدماغ، العامة يسمونه: أبو دمغة، بمعنى أنه يختل به الدماغ، فمثل