ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني في النيل، والكلوذاني في تحفة الأحوذي: أنه لا يجوز لا في صحراء ولا في بنيان لعموم الأحاديث، وحملوا الأحاديث التي فيها الاستقبال أو الاستدبار بأنها من الأفعال، وهي تحتمل الخصوصية، أنها للخصوصية.
والحكمة في ذلك تنزيه قِبلة المصلي، القبلة التي يستقبلها المصلي، سواء في صحراء أو في بنيان، تنزه عن أن يستقبلها الذي يقضي حاجته، يستقبلها بفرجه، أو يستدبرها بدبره، فيكون في ذلك استهانة بهذه القبلة، يعني فالراجح أنه لا يستقبلها، لا في بنيان، ولا في صحراء، لكن إذا كان هناك ضرورة عفي عن ذلك.
في حديث أبي أيوب يقول:"فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله - عز وجل -".
يحرم لبثه فوق حاجته يعني إطالة جلوسه وهو على نجاسته بغير حاجة كما هو فعل الموسوسين بل إذا قضى حاجته استنجى وخرج
يحرم بوله في طريق مسلوك ونحوه، وتحت شجرة مثمرة ثمرا مقصودا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -"اتقوا اللاعنين. قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال؟ الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم".
الطريق المسلوك، والظل الذي يستظل به يفسده على الناس، وربما أوقعهم في النجاسة، وكذلك الثمرة المقصودة، كثمر العنب والنخل ونحو ذلك، لأنه قد يتساقط فيتلوث بالنجس.
ذكر بعد ذلك المسنونات:
يسن أن يستجمر، ثم يستنجي بالماء، يعني يجمع بينهما، يبدأ بالاستجمار، الذي هو التمسح بأحجار أو نحوها، ثم يستنجي بالماء، يجوز أن يقتصر على أحدهما، والماء أفضل، إن اقتصر على أحدهما فالاقتصار على الماء أفضل، وإن جمعهما بدأ بالاستجمار ثم الاستنجاء.
والاستجمار يسن أن يمسح ثلاث مسحات، إما بالمناديل المعروفة، وإما بالأحجار أو نحوها، يمسح ثلاث مسحات منقية للمَخرجَين: مخرج البول، ومخرج الغائط.
ولا يجوز الاستجمار إلا بطاهر، مباح، يابس، منقٍ، فلا يستجمر بالنجس، يعني بالأشياء النجسة، سواء كانت مائعة أو سائلة، فلا يستجمر -مثلا- ولا يتمسح بعظام الميتة، أو لحمها -ولو يابسا-، أو دم متجمد، أو روث حمار، أو نحوه.
وكذلك لا يغتصب شيئا يستجمر به، وكذلك لا يستجمر إلا بالشيء اليابس؛ لأنه إذا استجمر بالرطب لم يحصل به النقاوة، والعادة أن الاستجمار بالأحجار اليابسة، أو بالمناديل والخِرَق والأعواد ونحوها، لا بد أن يكون منقيا، الذي لا ينقي للزوجته كالزجاج مثلا، الشيء يعني اللزج ما ينقي.
يحرم الاستنجاء بالروث، الاستجمار بالروث والعظم، ففي الحديث: أنه - صلى الله عليه وسلم -"نهى عن الاستجمار بالروث والعظم وقال: إنهما لا يطهران"وفي حديث آخر علل بأنهما طعام الجن، وأن الروث علف لدوابهم، وإذا كان طعام الجن -يعني- العظام، فإن طعام الإنس أو الأكل الخبز اليابس ونحوه.
وكذلك المحترم، فلا يتمسح بأوراق كتب علم مثلا، أو بغلاف كتاب، أو ما أشبه ذلك، وكذلك متصل بحيوان، فلا يتمسح بذنب بقرة، أو برجلها، ونحو ذلك.
متى يجزئ الاستجمار وحده؟ بشرط أن لا يتجاوز الخارج موضع العادة، ألا يتجاوز موضع العادة، فإذا انتشر مثلا الغائط على صفحات الإليتين فلا يكفيه إلا الماء، أو كذلك البول مثلا تَرطب به رأس الذكر والحشفة ونحو ذلك فلا بد من الماء.
الاستجمار ثلاث مسحات منقيات فأكثر، ويسن قطعه على وتر، ورد حديث:"ومن استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج"فإذا استنجى بثنتين جعل ثالثة حتى تكون وترا، فإذا لم ينق إلا بأربع زاد خامسة، فإذا لم ينق إلا بست زاد سابعة، هذا معنى فليوتر.