فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 722

فهو دليل على أنه لا يجوز للنساء زيارة القبور، وذلك لقلة صبرهن، أو نحو ذلك، ولا عبرة لبعض المتأخرين الذين أخذوا يشددون ويقولون: إنه يجوز ويطرحون هذه الأدلة ويتمسكون بالحديث:"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"فإن الخطاب للرجال.

أما القراءة عند القبور فلا تجوز؛ وذلك لأنه قد يتخذ وسيلة إلى الاعتقاد أن القراءة عند القبر أفضل منها بالمسجد، ثم يجر ذلك إلى الصلاة عند القبور، وأنها أفضل من الصلاة في المساجد، ثم إلي الغلو في الأموات، واتخاذ قبورهم مساجد، والصحيح أنه لا يجوز أن يتحرى القراءة عند القبر يعلق على هذه الجملة يقول: وما يخفف عنه ولو يجعل جريدة رطبة في القبر، والصحيح أن هذا أيضا لا يجوز.

النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما مر على قبرين يعذبان وغرز فيهما جريدتين هذا من خصائصه؛ لأن الله -تعالى- أطلعه على هذه. وأما غيره ليس له هذه الخصيصة فليس له أن يفعل ذلك، ولو كان ذلك لاشتهر عند السلف أنهم يغرزون في كل قبر جريدة خضراء.

فالصحيح أنه لا يجوز إنما يُدعَى له ويُتَرحَّم عليه ويسلم عليه بهذا السلام"السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"وفي رواية"السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم"أو بما تيسر من السلام.

تسن تعزية المصابين بالميت ورد في حديث:"من عزَّى مصابا فله مثل أجره"وإن كان فيه ضعف لكن هو بحاجة إلي تسليته وتعزيته وتخفيف مصيبته يأتي إليه المعزون فيترحمون على ميته، ويدعون له، ويحثونه على الصبر والتسلي. يجوز البكاء على الميت، ولا يجوز النحيب، ولا يجوز الزفير الشديد.

ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون"ورد أيضا أنه بكى مرة عند بعض أصحابه فقال:"ألا تسمعون، إن الله لا يعذب بحزن قلب، ولا بد مع العين ولكن يعذب بهذا، أو يرحم: يعني اللسان".

فلذلك يحرم الندب والنياحة وشق الثوب ولطم الخدين، وما أشبه ذلك؛ لأنه من أمور الجاهلية.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية"كان أهل الجاهلية إذا مات أحدهم. يلطم أحدهم خده، أو يضرب صدره، والمرأة تشق ثوبها، أو تشق جيبها ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم -"برئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة".

الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة. والحالقة: التي تحلق شعرها، أو تنتفه. والشاقة: التي تشق ثوبها، برأ منهم كما في هذا الحديث"ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية".

ودعوى الجاهلية: أنه إذا مات فيهم الميت أخذوا يندبونه بنداء كنداء الغائب، إما مثلا باسمه كأن يقولوا مثلا وا سعداه! - وا راشداه! وا زيداه! وا عمراه! وإما بقرابته كأن يقولوا: وا والداه!، وا أخواه!، وا أبواه! وا عماه! وإما بصيغة تتصل إليه منهم كأن يقولوا: وا مطعماه!، وا كاسياه!، وا كافلاه!، وا حافظاه!، وما أشبه ذلك؛ كل هذا من الندب الذي نهى عنه النبي-صلى الله عليه وسلم- لأنه تسخط لقدر الله -تعالى- وقضائه؛ ولأن ذلك لا يرد فائتا.

نقف عند هذا، والله أعلم، وصلى الله على محمد.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت