الشرط السادس: العدالة أن يكون عدلًا، يخرج العاصي المتظاهر بالمعصية لا يصلح أن يتولى القضاء أيًا كانت تلك المعصية، فإذا كان يشرب خمرا، أو يشرب الدخان، أو يحلق لحيته في بلاد تحكم بإنكار ذلك، أو يسمع الغناء، أو يترك الصلاة، أو يتأخر عن صلاة الجماعة، أو ما أشبه ذلك، وهكذا أيضًا إذا كان يتعامل بالربا، أو يأخذ الرشوة، فكل ذلك يقدح في عدالته، فلا يجوز أن يتولى مثل هذا قضاء المسلمين.
الشرط السابع: أن يكون سميعًا.
الأصم لا يدري ما الناس يقولون؛ وذلك لأنه لا بد أن يسمع كلام هذا الخصم، ثم كلام الخصم الثاني، فإذا كان أصم فكيف يسمع؟
الشرط الثامن: البصر، حتى يعرف، وسيما هذا؛ لأنه إذا كان ضريرًا لُبس عليه، قد يأتيه إنسان على أنه فلان، وليس به، هكذا قالوا.
والصحيح أنه يجوز كون القاضي ضريرا؛ لأن العادة أن الضرير يكون معه فطنة وفهم ومعرفة بأصوات الناس، فهو يميز بين الصادق والكاذب، وكذلك أيضًا يعرف الأصوات، يعرف صوت فلان وفلان.
الشرط التاسع: أن يكون متكلمًا، فلا يصح أن يكون أخرس لا ينطق، كيف يعرف الناس حكمه إذا كان أخرس؟ ليس كل أحد يعرف إشارات الأخرس، إذا أشار بكذا وبكذا بأصابعه، لم يفهمها كل أحد، إذًا فلا بد أن يكون متكلمًا.
الشرط العاشر والأخير: أن يكون مجتهدًا، ولو في مذهب إمامه.
الاجتهاد ذكروا أنه قسمان: اجتهاد مطلق، واجتهاد مقيد. فالاجتهاد المطلق: هو الذي يقدر أن يعرف الحكم، الذي هو الصواب بدليله، يستطيع أن يعرف الأدلة، ويستخرجها من أصولها.
ذكر المتأخرون أن الاجتهاد المطلق قد انقطع بعد عصر الأئمة الأربعة، وأن من بعدهم لا بد أن يرجع إلى أقوالهم، ولكن الصحيح أنه لم ينقطع، وأن الإنسان إذا أعطاه الله قدرة وملكة فإن له أن يجتهد، ويأخذ القول الصواب ويعرفه، سواء كان عند هذا الإمام، أو عند هذا، وقد ذكروا أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان -رحمه الله- مجتهدًا؛ ولأجل ذلك خالف الأئمة الأربعة في عدة مسائل، مما يدل على أن الله أعطاه ملكة يقدر بها على معرفة الصواب، ولو خالفه من خالفه.
وكذلك أيضًا في عهد السيوطي في القرن التاسع، وأول القرن العاشر، ادعى أنه مجتهد، أنه بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، ولكن لما ادعى ذلك أنكر عليه أهل زمانه، وأشد من أنكر عليه السخاوي، وقالوا: كيف تبدأ الاجتهاد، الاجتهاد قد انقطع، ولكن مؤلفاته فيها شيء كثير من الاختيارات، والغالب أنه لم يخرج عن مذهب الشافعي؛ لأنه شافعي في المذهب، فهذا هو المجتهد المطلق.
وأما الاجتهاد المقيد فهو: أن يجتهد في مذهب الإمام الذي يقلده، إذا كان في المذهب عدة روايات كمذهب الإمام أحمد، قد يكون عن الإمام أحمد روايتان وثلاث روايات وأربع روايات، ففي هذه الحال إذا كان مجتهدًا فمعناه أنه يعرف القول الراجح من هذه الروايات، يبحث في هذه الروايات، أو كذلك إذا نزل فيه نازلة يستطيع أن يخرج دليلها، أو يخرج القول فيها من كتب العلماء الذين هو تبع لهم، يعني من كتب الحنابلة مثلًا، إن كان حنبليًا، والشافعية إن كان شافعيًا، فيستطيع أن يخرجها.
الذي ليس بمجتهد هو المقلد بمعنى أنه إذا حصلت عليه قضية ما عرف دليلها، ولا عرف الحكم فيقول: أحتاج أن أسأل فيقول: يا فلان عرضت عليّ قضية كذا وكذا أخبرني كيف أقضي؟ كلما جاءته قضية توقف فيها حتى يسأل أهل زملائه أو أهل بلده، فمثل هذا لا يسمى عالمًا؛ لأنه يأخذ العلم عن غيره، ويأخذ القضاء عن غيره.
هذه شروط القاضي عشرة في واحد منها خلاف، وهو البصر.
يقول:"وإن حكم اثنان بينهما رجلا يصلح للقضاء، نفذ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم من ولاه إمام أو نائب اثنان بينهما خصومة ونزاع، وطال ذلك النزاع، وكل منهما يدعي أن الصواب معه، اتفقا وأتيا إليك وقالا: نرى فيك الأهلية، وقد رضينا بحكمك، نعرض عليك قضيتنا، هذه دعواي أنا كذا وكذا، والثاني يقول: وهذه دعواي كذا وكذا."