ولكنها أنتنت، وخاست، ولما شمها إنسان رجل، أو امرأة من آثار هذه الرائحة حصل ضرر، أو مرض، أو موت بسبب الرائحة الشديدة الكريهة، فصاحب هذا الطعام، أو صاحب هذا اللحم فرط، وتسبب، فيضمنه إذا كان ذلك من العادة أنه يؤثر.
فأما إذا كانت العادة أن الروائح، لو كانت كريهة لا تؤثر، ولا يحصل على الذي يشمها موت، ولا ضرر، فإنه لا يكون هناك ضمان. مقادير الدية
الفصل الذي بعده يتعلق بالدية، أي: مقادير الدية.
دية الحر المسلم مائة بعير يشترط أن يكون حرا، العبد ديته ثمنه، والكافر إذا كان معاهدا، أو ذميا نصف دية المسلم.
يقول: دية الحر المسلم مائة بعير، كلمة بعير اسم للواحد من الإبل، يدخل فيها الذكر والأنثى، فيقال للناقة: بعير، ويقال للجمل: بعير صغيرا، أو كبيرا، وإذا أراد التمييز قالوا: ناقة وجمل، الجمل الذكر، والناقة الأنثى، وأما كلمة بعير، فإنها تصلح للذكور والإناث.
مائة بعير، أو ألف مثقال ذهبا، يعني: ألف دينار من الذهب والدينار هو أربعة أسباع الجنيه، الجنيه المعروف عندنا، أو اثنا عشر ألف درهم، والدراهم قطع من الفضة، المئتان مقدارها من الريال الفضي، الريال الفضي السعودي ستة وخمسون، وهي النصاب كما هو معروف نصاب الفضة ستة وخمسون من الريالات السعودية، ومن الدراهم القديمة مئتان، فيعرف مقدار الدية إذا كانت اثنا عشر ألف درهم فضة، أو مائتي بقرة، أو ألفي شاة هذه أصول الدية، خمسة:
من الإبل مائة بعير، ومن البقر مئتان، ومن الغنم ألفان، ومن الذهب ألف مثقال، ومن الفضة اثنا عشر ألف درهم.
اختلف العلماء هل هذه الخمسة كلها أصول، أو الأصل واحد، والبقية قيم فالراجح أن الأصل هو الإبل، وأن البقية قيم؛ وذلك لأن العرب كانوا يدفعون الدية مائة من الإبل، واستقر الأمر على ذلك في العهد النبوي، فكانت الدية مائة من الإبل، لما أن اليهود قتلوا عبد الله بن سهل، ولم يجدوا من يدفع الدية، دفع الدية عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة من إبل الصدقة، وكان ذلك معروفا عندهم.
وفي قصة ذلك القرشي الذي قتله رجل من العرب لما أنه ذهب راعيا عنده، قالت له قريش: إما أن يحلف منكم خمسون أنكم ما قتلتموه، أو تدفعوا لنا مائة من الإبل، استعدوا للحلف، وكانت امرأة ولدها منهم، امرأة من قريش ولدها من هذه القبيلة، فقالت: اسمحوا لولدي لا يحلف، البقية تسعة وأربعون واحد منهم فدى نفسه، جاء ببعيرين، وقال: إنكم طلبتم مائة من الإبل، أو خمسين يحلفون، نصيب كل واحد بعيران، هذان بعيران خذوهما، فأخذوهما، البقية حلفوا، ثمانية وأربعون، يقول ابن عباس: فما دارت، فما تم الحول، وفي الثمانية والأربعين عين تطرف.
يعني: ماتوا بسبب أنهم حلفوا، وهم كاذبون، فالحاصل أن الدية من الإبل هي الأصل، فعلى هذا إذا ارتفع سعر الإبل رفعت الدية، وإذا رخصت الإبل نقص من قدرها، فتقدر بالإبل لا تقدر بالبقر، ولا بالغنم.
الدية الآن في هذه البلاد مائة ألف من النقود؛ لأنهم قدروا أن كل بعير يساوي ألفا، فجعلوها مائة ألف، صغيرها يجبره كبيرها، فجعلوها مائة ألف ريال، كانت في أول الأمر في أول عهد الملك عبد العزيز ثمان مائة ريال، من الريال الفرنسي، ثم رأوا أنها قليلة مع رخص الإبل في ذلك الوقت، فزيدت إلى ألف، ثم زيدت إلى عشرة آلاف، ثم زيدت إلى ستة عشر ألفا، ثم زيدت إلى أربعة وعشرين، ثم إلى أربعين، ولما ارتفع سعر الإبل رأى العلماء أنها لا تنقص عن مائة ألف.
معروف الآن أن الغنم تقارب الإبل، يعني: هناك الآن الغنم تباع بخمس مائة الواحدة، وبأربعمائة، وبثلثمائة، وهناك كثير من الإبل تباع بألف، أو بثماني مائة، أو بألف وخمسمائة، فلو قيل مثلا: ألفان من الغنم، الألفان قد تساوي خمسمائة من الإبل، أو ألفا من الإبل، إذا كانت قيمة البعير ألفا وقيمة الشاتين ألفا، فصارت تساوي ألفا من الإبل، فعرف بذلك أن الإبل هي الأصل، إذا ارتفع سعرها ارتفع سعر الدية، وإذا انخفض رخصت، أو نقص من الدية. دية قتل العمد وشبه العمد