الرابع: دم الجُبْران: إذا ترك واجبا من الواجبات يجبره بدم، وهذا الدم -أيضا- لا يأكل منه، بل يطعمه للمساكين -مساكين الحرم-، وهكذا إذا اختار الإطعام لكل مسكين مد بر، فلا يعطي رفقته، وإنما يكون لمساكين الحرم، أما فدية الأذى فحيث وجد، وذلك لأن كعب بن عجرة حلق رأسه بالحديبية، وأطعم هناك، أطعم في الحديبية.
وكذلك فدية اللبس إذا -مثلا- أحس بالبرد فلبس عمامة وهو محرم، أو لبس قميصا، واختار أن يطعم، أو يذبح فإنه يذبح حيث وجد سببه، فلو كان -مثلا- في الطريق؛ كأن يكون في الطريق إلى جدة -مثلا-، أو في البحرة، أو في الشرائع فإنه يخرج الفدية في ذلك المكان -فدية الأذى وفدية اللبس: حيث وجد سببهم. أما الصوم فإنه في كل مكان؛ لأنه نفعه قاصر، يجوز أن يؤخره إلى أن يأتي أبناؤه إلى بلده.
الدم الذي ذكروا شاة، عرفنا أن الشاة هي الواحدة من الغنم، أو سُبع بدنة يأكل سُبع البدنة، أو سُبع البقرة يجتمع السُبع في بقرة.
جزاء الصيد، يرجع فيه إلى ما قضت الصحابة؛ الصحابة قضوا في الصيد ما قضوا به، فقضوا -مثلا- بأن في النعامة إذا قتلها: بدنة، وفي حمار الوحشي: بقرة، وفي ذكر الوحش: بقرة، وكذلك في الوعل والتيس والأروى+ وهي أنواع من الوعول فيها بقرة، أما الظبي والغزال ففيها عنز واحدة من الماعز.
الحمامة جعلوا فيها شاة مع أنها بعيدة منها، وقالوا: لأنها تشبها بالعبق، يعني: في الشرب، وإن كان شبها بعيدا، وقالوا في الأرنب: عناق، وفي الضب جعلوا فيه جبرة، وفي اليربوع -دويبة تشبه الفأر معروفة- جعلوا فيها -أيضا- جبرة، يعني: جعلوها كلها من الغنم، أو نحوها.
الضبع عند فقهائنا أنه حلال، فجعلوا فيه كبش؛ الكبش هو واحد الذكر من الضأن يرجع إلى ما قضى به الصحابة. أما ما لم يقضوا به فأنه يرجع فيه إلى قول عدلين خبيرين؛ لقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} وما لا مثل له تجب قيمته مكانه، إذا كان ليس له مثل أنه تجب قيمته في مكانه، يقدر قيمته في مكانه الذي ذبحه فيه، ثم يذبح قيمته، ويتصدق بها على مساكين الحرم.
وحرم مطلقا صيد حرم مكة، وقطع شجرة وحشيشه إلا الإذخر، وفيه الجزاء وصيد حرم المدينة، وقطع شجره وحشيشه لغير حاجة علف وقتب ونحوهما ولا جزاء.
يحرم -مطلقا- صيد حرم مكة، تميزت عن غيرها؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -"لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يختلى خلاها إلا الإذخر"هذا من آثار تحريمها، إنها حرم، فكونها حرم لا يقتل صيدها، بل ولا ينفر إلا ما يملكه الآدميون -مثلا- الحمام التربوي، والدجاج -مثلا-، والأوز يجوز ذبحها في مكة، وأما الحمام -الصيد مثلا- و غيره مما هو صيدا حتى الجراد فإنه لا يجوز ذبحه، ومن ذبحه فعليه فدية.
حكم بعض الصحابة في الجرادة بتمرة، وقالوا: تمرة خير من جرادة؛ إذا صاد، أو ذبح جرادة فعليه أن يتصدق بتمرة، بعضهم يقول: قبضة من طعام من بر، أو أرز.
أما قطع الشجر فإن فيه -أيضا- جزاءه؛ الشجر إذا كانت الشجرة كبيرة ففيها بدنة، وإذا كانت صغيرة ففيها شاة، وأما الحشيش ففيه قيمته، الحشيش الذي هو أعواد بسيطة على الأرض، أو الأعواد الدقيقة هذا فيه قيمته.
رخص في الإذخر، استثناه النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يحتاج إليه؛ لأنهم يحتاجون إليه لخيلهم، ولبيوتهم، ولقبورهم. فالحاصل أن فيه الجزاء مثل جزاء الصيد.
أما صيد حرم المدينة فحرام، ولكن ليس فيه جزاء، ما ورد فيه الجزاء، وكذلك قطع شجره وحشيشه، لا يجوز قطع شجره وحشيشه إلا أنه رخص لهم في قطع الشجر في الأشياء التي يحتاجون إليها في الناعورة والبقرة، وما يحتاجون إليه، كذلك الحشيش، لعلف دوابهم العلف، القتب.