فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 722

لماذا؟ لتتوقف العروق، وتنسد عروق الدم؛ لأنهم إذا لم يغمسوها، خرج الدم، واستمر خروج الدم، وأدى ذلك إلى موته؛ فيغمسونها بعد ذلك، ويعالجونها إلى أن يطيب الجرح، ويبقى ليس له إلا يد.

تقطع من مفصل كفه وتحسم. فإذا عاد، سرق مرة ثانية، قطعت رجله اليسرى من مفصل كعبه، وحسمت، ولا تقطع يده اليسرى، ولا تقطع رجله اليمنى، بل تقطع الرجل اليسرى، حتى لا يكون مشلول الجانب، وتحسم أيضا رجله إذا قطعت، ويكون القطع من مفصل الكعب، تقطع القدم.

فإذا عاد، قُدر أنه سرق، وقد قطعت يد ورِجْل، فهل يقطع مرة ثانية؟ الصحيح أنه لا يقطع، وإن كان روي عن بعض السلف أنه قطع ثلاث مرات، يعني: يد ثم رجل ثم يد. بل يحبس حتى يتوب أو يموت؛ وذلك لأنه يعتبر مفسدا. السرقة من غير حرز

"ومن سرق تمرا من غير حرز، غرم قيمته مرتين، ولا قطع عليه"وكذلك من سرق ماشية، يعني: جاء إلى غنم، قد باتت في غير حرز، وأخذ منها شاة، أو جاء إلى إبل ترعى، وأخذ منها جملا، فإنه يغرم قيمته مرتين، سواء ذبحه أو باعه، ولا قطع؛ لأنه أخذه من غير حرز. هكذا ورد عن بعض السلف، أنه يغرم ولا يقطع. السرقة زمن المجاعة

ولا يقطع في زمن المجاعة. إذا اشتد به الجوع، ولم يجد ما يشتري به طعاما، أو ما وجد شيئا يشتريه، ما وجد خبزا، ولا وجد تمرا، ولا وجد أرزا، واحتاج، ودخل في بيت، وأخذ منه خبزا، ولو أكثر من النصاب -فإنه معذور.

ولهذا أسقط عمر-رضي الله عنه- القطع في سنة مجاعة حصلت، تسمى"عام الرمادة"مجاعة اشتدت. سواء لم يجد طعاما يشتريه، أو لم يجد قيمته، زمن مجاعة، أو كان ارتفع سعره، فلا يقطع والحال هذه؛ لأنه معذور. حد قطاع الطريق

الباب الذي بعده: قُطَّاع الطريق: وهم الذين يقفون في الطرق، ويقتلون من مر بهم، أو ينهبونه، أو ما أشبه ذلك. يقفون في بعض الطرق التي هي قليلة السالكين، لا يأتيها إلا أناس قليل. فإذا جاءهم إنسان ليس معه أحد، أوقفوه، وأكرهوه على أن يأخذوا ما معه من المال، فإن دافعهم قتلوه، وأخذوا المال.

فإن كانوا جماعة قاتلوهم، إلى أن يأخذوا ما معهم من المال، وقد يكون أيضا قصدهم سيئا، وهو الزنا بمن معه من النساء، بأن يكرهوه على أن يخلي بينهم وبين النساء؛ ليزنوا بهن. يحدث هذا أيضا كثيرا، فإما أن يقتلوا الرجل، وإما أن يوثقوه رباطا، ويتمكنوا من المرأة أو من النساء، يعتبرون قطاعا.

نزل فيهم قول الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [1] .

ذهب بعض العلماء -كالمالكية- إلى أن الإمام مخير؛ لأن الآية فيها أو أو، فإما أن يقتل، وإما أن يأسر، ويوثق ويسجن، وإما أن يقطع، وإما أن ينفي. {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [2] فدل ذلك على أنه مخير؛ لأن كلمة"أو"للتخيير، كما في قوله تعالى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [3] .

وذهب الإمام أحمد إلى أن العقوبة على قدر الذنب، وروي ذلك عن ابن عباس فيقول:"من منهم قتل مكافئا، أو غيره كولد، وأخذ المال، قتل ثم صلب. صلب مكافئا حتى يشتهر". قوله"مكافئا"يعني: إذا كان حُرٌ قتل حرًا، يعني: حر مسلم قتل حرا مسلما. أما إذا قال: أنا ما قتلت إلا عبدا، في هذه الحال يغرم قيمة العبد.

وكذلك إذا قال: أنا ما قتلت مسلما، إنما قتلت كافرا، هذا الذي قتلته ليس بمسلم. نقول: إنه معاهد، وقتلك له يعتبر اعتداء، ولكن حيث إنه جاء الحديث"لا يقتل مسلم بكافر"فإنه -والحال هذه- لا يقتل، ولكن يعذر ويسجن ونحو ذلك. فالحاصل: أنه إذا كان مسلم حر قتل مسلما حرا، أو قتل ابنه مثلا، ولو كان صغيرا، أو قتل امرأته، أو نحو ذلك، فإنه إذا قَتل وأخذ المال، يجمع له بين العقوبتين، يقتل ثم يصلب.

يصلب على سارية، أو على خشبة، في السوق، يومين أو ثلاثة أيام، وهو مصلوب بعدما يقتل، حتى يشتهر أمره، وحتى يعرفوه. ومنهم من ينصب الرأس، إذا كان مثلا في حَرٍّ شديد، ويُخشَى أنه ينتن، يكتفون بصلب الرأس، ويدفنون الجثة. هذا الذي جمع بين الأمرين، القتل وأخذ المال.

الثاني: إذا قتل فقط، ولم يأخذ المال، فإنه يقتل حتما، ولا صلب عليه، لا يصلب؛ وذلك لأنه اقتصر على القتل، فيقتل ويدفن بعد قتله. وهل يدخل في العفو؟ لو قال ولي المقتول: أنا أسمح عنه، ولا أريد قتله. هل يسقط القتل؟ لا يسقط؛ وذلك لأنه حد من حدود الله، أخاف الطريق، وتعدى على المسلمين، فالحق لله تعالى.

ولذلك أخبر الله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ} [4] يعني: عقوبتهم. فلا يسقط بعفو صاحب المال، أو صاحب الدم. يقولون: من أخذ المال فقط، يعني: أَكرَه وأخذ المال بدون قتل، في هذه الحال، قطعت يده اليمنى، ثم رجله اليسرى، في مقام واحد، وحسمتا، وخلي سبيله. يقطع منه يد من جانب، ورجل من جانب، اليد اليمنى، والرجل اليسرى، كما يقطع السارق إذا سرق المرة الثانية، وتحسم، ولا يسجن، بل يخلى سبيله.

كانوا إذا قطعوا السارق، أو قاطع الطريق، يعلقون يده في عنقه، حتى يعرف الناس أنه سارق، أو أنه محارب. ولكن في هذه الأزمنة، قد يتمكن الأطباء أن يزرعوا يده، وأن يعيدوها في مكانها، وكذلك رجله، بعملية. يقارب العروق بعضها إلى بعض، ويخيط بعضها في بعض، حتى يسري فيها الدم، وتعود فيها الحياة؛ فلذلك -في هذه الأزمنة- لا يُمَكَّن من أخذ يده ورجله، بل تدفن، أو تقَطّع قِطعا متكاثرة، تقطع الأصابع قطعا، وتقطع الكف، وتشقق اليد والرجل، ونحو ذلك، حتى لا يتمكن من أخذها وإعادتها.

هؤلاء ثلاثة. الرابع: إذا أخاف السبيل فقط، فإنه ينفى ويشرد؛ لقوله تعالى: {أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [5] فهذا هو الرابع.

الأول قتل وأخذ المال، الثاني قتل فقط، الثالث أخذ المال فقط، الرابع أخاف السبيل -أخاف الطريق- يعني: بحيث صار الناس يفزعون من سلوك هذا الطريق، فقبض عليه، فينفى من الأرض. لكن في هذه الأزمنة قد لا يكون النفي متوفرا أو مفيدا؛ لسهولة المواصلات؛ ولقرب الأماكن، فيكتفي بعض العلماء بالسجن، يقول: أنه يدخل السجن، ويضيق عليه. هذه حالاته الأربع. إثبات حد قطاع الطريق

(1) - سورة المائدة آية: 33.

(2) - سورة المائدة آية: 33.

(3) - سورة البقرة آية: 196.

(4) - سورة المائدة آية: 33.

(5) - سورة المائدة آية: 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت