فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 722

هذه صفة العمرة، وهذه صفة الحج، وفي الليلة الآتية -إن شاء الله- نكمل ما يتعلق به. والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

س: بسم الله, أحسن الله إليكم، ونفعنا الله بعلمكم. وهذا السائل يقول: إن أبي لم يستطيع الحج في شبابه؛ لقلة المال لديه، فلما كبر سنه، ما استطاع، ثم مات، ولم يحج، ولم يحج عنه أبناؤه، فهل عليه شيء، أو على أبنائه إثم، علما بأن أمي كذلك. وجزاكم الله خيرا؟

ج: إذا قدر أحد أولاده، أو قدرت أنت فحج عن أبيك، ومعذور -أولا- للفقر، ثم -ثانيا- للكبر، كان عليه بعدما قدر أن يوكل من يحج عنه، ولكن حيث إنه لم تيسر له، فلعل أولاده أن يحجوا عنه، أو يوكلوا من يحج عنه.

س: أحسن الله إليكم. رجل يقول: رجلا يعمل ببلاد الغربة، فمات، وكان يضع أمواله بأحد البنوك، فوكل أهل الميت أحد أصدقائه بالإشراف على أمواله، فأخذ يرسل لهم ما يطلبون من غير تقسيم للتركة؛ فيرسل للأم وللأبناء الصغار، أما الكبار فهم يعملون، ولا يرسل لهم، علما بأنهم لم يقسموا التركة الباقية، فهم يسكنون ويعيشون مع بعضهم البعض في منزل واحد، وطعامهم واحد والسؤال هو: هل عليه إثم في عدم تقسيم التركة؟ وهل بقي هذا المال عشر سنوات ولم يزك، فهل ذلك شيء؟

ج: لا بد أن يؤخذ رضى الأخوة الكبار الذين يعملون، حيث إن لهم حقا في هذا التركة بعد موت مورثهم، فإذا سمحوا فيما أنفقه إخوتهم الصغار وأمهم، إذا سمحوا بذلك سقط حقهم، ونشير عليهم بأن يقتسموها من الآن إذا أرادوا أن يُعرف جميع الحقوق، حتى يعرف حق القاصرين -مثلا- وحق الباقين الذين مع أمهم، وحتى ينفق عليهم مما يخصهم.

أما الزكاة فلا تسقط إذا كان المال موفرا، ولكن ينظر نصيب كل واحد منهم؛ إذا بلغ نصيب كل واحد منهم النصاب فعليه الزكاة، فإن كان نصيب كل واحد أقل من النصاب، فلا زكاه عليهم، ولو كان مجموعه يبلغ النصاب.

س: أحسن الله إليكم. وهذه السائلة تقول: أنا امرأة متزوجة من ثلاثة عشر عاما، وعندي أربعة أولاد، وملتزمة ولله الحمد، وزوجي شارب للخمر، تارك للصلاة، من سبع سنين لم يشهد صلاة الفجر، ونصحته مرارا وتكرارا إلا أنه أصر على ما يفعله، والآن أنا طالبة منه الطلاق؛ لأني سأحس بالراحة إذا طلقني، فما رأى فضيلتكم في هذا. وجزاكم الله خيرا؟

ج: لا يجوز البقاء معه إذا كان لا يصلي؛ لأن تارك الصلاة والإصرار على تركها، وعدم تقبل النصيحة يعتبر كفرا، كما أفتى في ذلك المشايخ، فلا بد أن تطلب منه أن يخلي سبيلها، وتحرص على أن يكون الأولاد معها، حتى لا يتربوا عنده، فيأخذوا مأخذه.

س: أحسن الله إليكم. وهذا يقول: أنا شاب فلسطيني؛ انتهيت من الدراسة الثانوية، ولم أقبل في الجامعات السعودية، فهل يجوز لي السفر إلى إحدى البلدان العربية المسلمة، مع ما يوجد هناك من الاختلاط داخل الجامعة وغيره، علما بأن الوالدان مصران على سفري، وأن البقاء بلا جامعة سيضر بي اقتصاديا، واجتماعيا. وجزاكم الله خيرا؟

ج: لا بأس أن تطيع الأبوين إذا أصر على أنك تسافر، لو كان في البلاد الأخرى ما فيها من سفور، ومن اختلاط، ومن فتن فبإمكانك أن تغض بصرك، وأن تحفظ نفسك.

س: أحسن الله إليكم. وهذا سائل يقول: يشكل علي سؤال، هل كل ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حجه واجب، استدلا بقوله:"خذوا عني مناسككم"وكذا الصلاة:"صلوا كما رأيتموني أصلي"نفعنا الله بعلمكم؟

ج: لا شك أن أفعاله في الحج، وفي الصلاة منها ما هو ركن، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو سنة، و لا يلزم التقيد بكل فعل فعله، ويقال: إنه من الواجبات، وذلك لأنه أقر على إسقاط كثير منها، كما ذكرنا في حديث عروة بن مضرِّس، وغيره.

س: أحسن الله إليكم. رجل تطلب منه والدته دائما أن يحج بها، مع أنها قد حجت حجة الإسلام، ولكنها تريد الحج؛ رغبة في الأجر، وهو يرفض لما في الحج في هذه الأزمنة من الزحام الشديد ومشقة، خصوصا على النساء، فهل له ذلك، أم يجب عليه أن يطيعها. وجزاكم الله خيرا؟

ج: لا يعتذر بهذا الزحام، فالزحام يمكنه أن يتحمله، ويتحين الأوقات التي يجد فيها فراغا للطواف بأمه -مثلا-، وبقية المشاعر ليس فيها زحام، ويطيع أمه، وله أجر -إن شاء الله-.

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قرأنا في صفة الحج، متى يحرم، المحلون متى يحرمون بالحج، وحكم المبيت بمنى ليلة عرفة، ومتى يدفعون إلى عرفة وبيان الموقف في عرفة، وكيف يصلون الظهرين، وبيان وقت الوقوف بعرفة، ومتى يدفع إلى المزدلفة، وكيف يكون الدفع، وكيف تُصَلى المغرب والعشاء هناك، والمراد بالمشعر الحرام، وماذا يفعل عنده، ومتى يدفع إلى منى، وماذا يفعل إذا بلغ محسرا، ومن أين يأخذ حصى الجمار، ومقدار الحصى، وكيف يرمي، وماذا يدعو به عند الرمي، وأعمال يوم النحر، وكيف يرتبها، ومقدار ما تأخذه المرأة من الشعر تقصيرا، وبيان التحلل الأول، ومتى يفيض إلى مكة وحكم الشرب من ماء زمزم والدعاء، وحكم المبيت بمنى ليالي منى، وكيف يرمي الجمرات، وكيف ينفر من تعجل في يومين.

وحكم من غربت عليه الشمس في اليوم الثاني عشر، قبل أن ينزل من منى وحكم طواف الوداع، وكذلك الوقوف بالملتزم، وما تفعل الحائض والنفساء التي سقط عنها طواف الوداع وحكم زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبر صاحبيه، وأن الزيارة تكون للمسجد لا للقبر، وأن السلام يكون بعد أداء تحية المسجد، وكذلك صفة العمرة، ومن أين يحرم بها إذا كان من أهل مكة، ومتى يتحلل من العمرة هذه الصفات، التي ذكروها في صفة الحج.

وقد أكثر العلماء قديما وحديثا من الكتابة حول مناسك الحج، وبينوا ماذا يفعل الحاج في هذه المشاعر، ولا شك أن فيها شيئا من الاختلاف بين العلماء، ولكن لكل اجتهاده، وأصح الأقوال ما وافق الدليل، والأدلة واضحة والسنة محفوظة قولا وفعلا، والاختلافات التي وقعت بين الصحابة، ومن بعدهم مجال للاجتهاد، فمن الاختلافات الاختلاف في أي الأنساك أفضل.

فالإمام أحمد يختار أن أفضل الأنساك التمتع؛ لأنه آخر الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم -.

والإمام مالك يختار القران، والشافعي يختار الإفراد، وفي رواية عنه القران وسبب ذلك أن الصحابة -رضي الله عنهم- اختلفوا فابن عباس يرى التمتع، ويلزم به حتى إنه يقول: من طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، فقد حل شاء أم أبى. فهو يوجب هذا التمتع.

ويسمى هذا -أيضا- الفسخ، فسخ الحج إلى العمرة، واختلفوا -أيضا- في حكمه، هل يجوز إذا أحرم بحج أن يفسخه، ويجعله عمرة، ففي ذلك خلاف، خلاف كبير وسبب ذلك أنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن سبعة عشر صحابيا .. أنه أمرهم بالتحلل، وقد كانوا مفردين حيث لم يكن معهم هدي، وامتنع الذين معهم هدي أن يتحللوا؛ فلذلك رجح بعض من العلماء الفسخ بل يكاد بعضهم أن يلزم به.

منهم ابن القيم في زاد المعاد، لما ساق الأحاديث التي في الأمر بالفسخ يقول: ليس لأحد عذر في تركها، فإنها صريحة في الأمر بالفسخ، ومع ذلك، فالمسألة محتملة للأقوال؛ وذلك لأن أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان كانوا يلزمون بالإفراد.

وكان عمر ينهى عن التمتع ويأمرهم بأن يعتمروا في سفرٍ مستقل، ولعل عذره خوفا من تعطل الحرم من الطائفين، وهكذا اعتذروا عنه، فهو لا يخفى عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الصحابة أن يتحللوا، ولكن مع ذلك يقول: إذا أمرناهم بالعمرة في هذا السفر سافروا سفرا واحدا، وقضوا فيه حجا وعمرة، واكتفوا بهذا السفر عن سفرٍ آخر للعمرة، وتعطل البيت بقية السنة، فإذا منعوا، فإنهم يقتصرون على الحج في سفرتهم، ويأتي بعضهم في شهر صفر، وبعضهم للعمرة وبعضهم في شهر ربيع للعمرة، الذين لم يعتمروا، وبعضهم في جمادى وبعضهم في رجب، وبعضهم في رمضان، فتبقى المشاعر والبيت الحرام معمورا بالزوار هذا عذره، ولكن إذا ثبت الفعل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه مقدم على قول كل أحد.

فإن ابن عباس -رضي الله عنهما- يرى وجوب التمتع، أو يرى أن من أتى البيت، فطاف به وسعى فقد حل، ولو لم ينو التحلل.

فاحتجوا عليه بأن أبا بكر وعمر ينهون عن التمتع، ينهون عن العمرة مع الحج، فاشتهر عنه أنه قال: يوشك أن تنزل عليكم الحجارة من السماء؛ أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقولون: قال أبو بكر وعمر.

بمعنى أن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدمة على قول كل أحد، وهناك -أيضا- خلافات أخرى في كثير من المناسك، ولكن إذا اتضح الدليل على المسلم يتبع الدليل مع أي كان، ولا يتأسى بمذهب من المذاهب، والآن نقرأ بقية كتاب الحج.

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فصل: أركان الحج أربعة: إحرام ووقوف وطواف وسعي. وواجباته سبعة: إحرام مارٍ على ميقات منه، ووقوف إلى الليل إن وقف نهارا، ومبيت بمزدلفة إلى بعد نصفه إن وافاها قبله، وبمنى لياليها، والرمي مرتبا، وحلق، أو تقصير، وطواف وداع. وأركان العمرة ثلاثة: إحرام وطواف وسعي. وواجبها: اثنان الإحرام من الحل، والحلق، أو التقصير.

وهكذا لخصوا باب ذكر الحج، فقسموه إلى ثلاثة أقسام: أركان، وواجبات وسنن، فالقسم الأول: الأركان، ركن الشيء جانبه الأقوى، وهو الذي لا يتم إلا به، أو ركن الشيء جزء ماهيته أي اللباب منه، والذي باجتماع الأركان تتم الماهية، هكذا ذكروا أن أركان الحج أربعة: الإحرام والوقوف والطواف والسعي، فأما الإحرام، فلا خلاف في أنه ركن؛ وذلك لأنه نية النسك، وليس الإحرام هو اللباس بل الإحرام هو النية، يعني أن يدخل بقلبه في النسك، ثم بعد دخوله فيه يشعر بأنها حرمت عليه المحظورات، وأنه تلبس بهذه العبادة، فهو مثل الإحرام بالصلاة.

معلوم أنه إذا أحرم بالصلاة حرم عليه الالتفات، وحرمت عليه الحركة والمشي، وحرم عليه الأكل والشرب وحرم عليه الضحك وحرم عليه الانصراف عن القبلة، وأشباه ذلك، فكذلك نقول: إذا دخل في النسك أي في الحج، أو العمرة، فإنها تحرم عليه هذه المحظورات فيحرم عليه تغطيه الرأس، ولبس المخيط والتطيب وقص الشعر وقلم الأظفار مثلا .. إلى آخرها.

فالإحرام هو النسك .. هو النية التي يعزم بقلبه على أنه دخل فيه، وقد تقدم حكم ما إذا أحرم قبل أن يأتي الميقات، وأن ذلك جائز وحكم ما إذا أحرم بالحج قبل أن تدخل أشهره، كما لو أحرم في آخر رمضان بالحج، وبقي محرما إلى يوم النحر، فإن ذلك جائز مع الكراهة، والصحيح أنه ينعقد الإحرام قبل الميقات.

وقد روي أن عبد الله بن معمر، لما انتصر في وقعة نهاوند، نذر أن يحرم منها إلى مكة، فعقد الإحرام من خراسان، وجاء بإحرامه مسيرة أكثر من شهر إلى أن حل إحرامه بالعمرة بعدما تحلل، وكان ذلك في عهد عثمان، ولكن عثمان لامه؛ لأنه شَق على نفسه، وكذلك كثير من غيره من الذين أحرموا قبل الميقات بمدة، وقد تقدم -أي قبل سطر- يقول: يحرم غيرك من دويرة أهله إن كان دون الميقات، لكن قد روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير قول الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} قال: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وظاهره أنه يحرم من حين يخرج من بيته مسافرا، ولكن ابن عباس، ومن قال بهذا أرادوا أن تنشئ لهما سفرا، أن يكون سفرك من البيت إلى الحرم لأجل الحج أو لأجل العمرة، فهذا هو الذين يكون أجره كاملا.

وأما الذي يسافر لغرض، ثم يعتمر في طريقه، فهو -وإن كانت عمرته مجزئة- لكنه أنقص أجرا ممن لم يسافر إلا للعمرة، الذين -مثلا- يسافرون لغرض كتجارة، أو زيارة، أو احتفال مثلا، أو حضور مناسبة في مكة، أو في جدة، أو في الطائف، ثم يقولون: إذا وصلنا ذلك المكان نأخذ عمرة، نقول عمرتهم مجزئة، ولكن ليست مثل عمرة الذي ما حمله على السفر إلا أداء العمرة؛ فإنها أكثر أجرا.

أما الوقوف بعرفة، فلا شك أنه ركن، ودليله قوله - صلى الله عليه وسلم -

"الحج عرفة"وذلك لأن الحجاج يجتمعون فيه، في عرفة يوم عرفة، فالذين يفوتهم الوقوف بعرفة، يفوتهم الحج، الذي فسد حجه، وهذا يعني .. آخره إذا طلع الفجر يوم النحر، فقد فات وقت الوقوف، فمن جاء بعد ذلك فاته الحج.

وأما الركن الثالث، فهو الطواف، ولا خلاف -أيضا- أنه ركن، ودليله قول الله -تعالى - {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) } المراد طواف الإفاضة، ويسمى طواف الزيارة، فهذا -أيضا- ركن. وأما طواف القدوم، فإنه سنة في حق المفرد والقارن. سنة أن يطوف إذا قدم، وذلك الطواف تحية المسجد، أو تحية مكة طواف القدوم.

وأما السعي بين الصفا والمروة، ففيه خلاف هل هو ركن؟ أو واجب؟ أو سنة؟ فاختار الإمام أحمد في المشهور عنه، أنه ركن واستدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -"اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي"كتبه: يعني: فرضه، وكذلك، فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والذين قالوا: إنه واجب، قالوا: إن الله -تعالى- نفى الجناح عمن لم يفعله، ونفي الجناح لا يدل على الركنية، ولا على الوجوب في قوله تعالى: {* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ (( (( (( (( (( اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} وقد استشكل هذه الآية عروة -رحمه الله- فقال لعائشة: ما أرى السعي واجبا؛ لأن الله قال: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} أي، فلا حرج عليه إذا تطوف بينهما، فكأن التقدير لا حرج عليك إذا تطوفت، فلم يكن فيها أمر بالتطوف؟

وأجابت عائشة بقولها: لو كان كذلك؛ لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما.

وأيضا استدل على الركنية بأن الله -تعالى- جعل الصفا والمروة من شعائر الله، والشعائر هي المعالم التي لها أعمال أي التي لها أعمال تختص بها، فكل مشعر من المشاعر، فله عبادة تخصه.

فإن -مثلا- المشاعر والشعائر، يعني: تنقسم إلى أقسام، نقول -مثلا-: عرفة مشعر من مشاعر الحج، ولكنه ليس بحرم، ومنى ومزدلفة مشعران وحرمان، ووادي محصب حرم، وليس بمشعر، وادي عرنة ليس حرما، وليس مشعرا. فهذه المشاعر لكل مشعرٍ عبادة، فمشعر عرفة له عبادة، ومشعر مزدلفة له عبادة، ومشعر منى له عبادة، وكذلك مشعر الصفا والمروة له عبادة، عبادتها هي السعي، السعي بينهما، ثم قد ذكر في الحكمة في ذلك أنه إحياء لما فعلته أم إسماعيل، فإنها لما نفد الماء رقت على الصفا، ونظرت، ثم سعت، ووصلت إلى المروة، ثم نظرت، وهكذا حتى تمت سبعة أشواط.

يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -"فلأجل ذلك شرع السعي بينهما سبعة أشواط"وأما نفي الحرج فسببه أن المشركين، كانوا قد جعلوا صنمين على الصفا والمروة، صنم على الصفا يقال له: إساف، وعلى المروة صنم يقال له: نائلة، فكانوا يطوفون، ويتمسحون بهذين الصنمين، فلما أسلم المسلمون فظنوا أن الطواف بهما؛ لأجل هذين الصنمين، فبين الله أنهما مشعران، والمشعر لا بد له من عبادة، فعبادتهما هو هذا السعي، وهو عبادة لما فيه من الامتثال، ولما فيه هذا التعب، ونحوه.

نقول: هذه أدلة من يرى أنه ركن.

ومن يقول: إنه واجب، يستدل بأن الله -تعالى- رفع الحرج بقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ويقول: هذا لا يدل على الركنية، وإنما يدل على الوجوب، وهو رواية عن الإمام أحمد أنه واجب من الواجبات، التي تجبر بدم.

فنحن نفتي من أحرم نقول: يجب عليك، ويلزمك أن تسعى، ثم إذا قُدرَ أنه ترك السعي عجزا، أو ترك بعضه تساهيا، ثم تحلل، وخرج، وصَعُبَ عليه الرجوع وفعل المحظورات، تساهلنا معه، وأفتيناه بأنها واجبة، وأنها تجبر بدم؛ لمشقة الرجوع.

كثيرا ما ترد أسئلة ربما عرضت عليكم في الليالي الماضية، أن أناسا سعى أربعة أشواطٍ، ثم عجز، وتحلل، أو سعى ثلاثة أشواط، أو خمسة أشواط، ثم عجز، وتحلل، ورجع إلى أهله، فمثل هذا نقول: إنه قد ألغى إحرامه، وقد فعل المحظورات، ولبس المخيط، وتطيب ووطئ أهله، وفعل كل المحظورات فكيف نلزمه مع ذلك؟ ونقول ارجع لأجل أن تكمل حجك، أو عمرتك لهذا الطواف وعليك فدية عن الوطء بدنة مثلا، وعليك فدية عن اللبس، وعن تغطية الرأس، وعن الطيب، وعن التقليم، وما أشبه ذلك، في ذلك شيء من المشقة. وكثيرا ما يحصل أنه تزوج بعد أن رجع، أو تزوجت المرأة بعد أن رجعت، فلو قلنا .. وربما -أيضا- أنه، ولدَ لها منها أولاد، فلو قلنا: هذا عقد باطل، والأولاد ليسوا، يعني: على ولادة صحيحة؛ لكان في ذلك شيء من المشقة؛ فلذلك نتساهل، ونقول لمن تساهل، وترك: عليك دم، اجعله كأنه من الواجبات التي تجبر بدم.

وأما قبل أن يقع، فإننا نلزمه بإتمامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت