ذكر في الشرط الخامس الذي يوجد في السطر السادس يقول: فإن تعذر أو بعضه صبر أو أخذ رأس ماله. أخذ رأس ماله دليل على أن دين السلم عرضة للفسخ، وإذا كان عرضة للفسخ فليس هو دين ثابت ليس هو مثل قيمة المبيع.
ما دام أنه ليس له إذا تعذر إلا رأس ماله، فهو دليل على أنه عرضة للفسخ، فإذا كان كذلك فليس له أن يطلب رهنا، ولا أن يطلب كفيلا؛ لأن الرهن والكفيل إنما يصح التزامه بالشيء الذي لا يتأتي عليه الفسخ.
يمكن أن نقول: يصح الرهن والكفيل على رأس المال.
أنت دفعت إليه -مثلا- مائتين من الدراهم على أن يعطيك مائة صاع في رجب، ثم تخشى -مثلا- أنه يماطل، إما أنه لا يعطيك مائة الصاع، وإما أنه لا يقدر على ذلك، فتقول: أعطني رهن، أنا سلمتك مائتين، أو أعطني كفيلا، إذا لم تعطني مائة صاع، فعلي الأقل رأس المال، إذا جاء رجب، ولم تزرع، ولم تغرس: مثلا-، فعلى الأقل رأس المال الذي هو مائتين، فالصحيح أنه يجوز أخذ رهن يعني: أو كفيل حتى يوفيه إذا حل، إما نفس الدين الذي هو مائة الصاع، وإما رأس المال الذي هو مائتا ريال.
فالرهن وثيقة ترهنني -مثلا- هذا البعير أو ترهنني هذا السيف، إذا حل الدين في رجب أبيع البعير، إذا لم توفني وآخذ دراهمي، آخذ دراهمي المائتين أو الكفيل يحضر لي الدين الذي هو مائة صاع.
قوله: ولا آخذ غيره ألف، صورة ذلك إذا حل المائة صاع، وأنا ما زرعت والبر غالي، وليس عندي مائة صاع، ولا أستطيع أن أشتريها لك، ولكن أعطيك بدلها تمرا أو شعيرا أو ثيابا بدل مائة الصاع، فهذا يصح؟، لا يصح؛ وذلك لأنه تصرف فيه قبل قبضه، إذن فليس لك إلا رأس المال الذي هو المائتان أو تصبر.
انتهينا من باب السلم، الذي بعده ..
القرض تعريفه: دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
ويكون القصد منه الإنفاق والتوسعة على المستقرض، والعادة أنه لا يقترض إلا من حاجة، المقترض الذي يأتيك ويقول: أقرضني، العامة يعبرون عنه بالسلف، سلفني ألف ريال أو سلفني عشرة آصع من البر أو سلفني -مثلا- عشرة أذرع من القماش الفلاني، هذا هو القرض، ورد فيه حديث ذكر في"بلوغ المرام"وغيره:"ما من مسلم يقرض مسلما مرتين إلا كانت كصدقة، عليه مرة أي له أجر الصدقة"فإذا أقرضته مائتين فكأنك تصدقت عليه بمائة، مع أنه سوف يرد لك المائتين؛ لأنها دين، قرض، سيردها عليك، ولكن لك أجر؛ لأنك وسعت عليه حتى قال بعض العلماء: وإن أجر القرض أعظم من أجر الصدقة، وذلك لأن المستقرض محتاج، لا يأتي إليك ويقول: أقرضني، إلا وقد اشتدت حاجته، فهو في حاجة شديدة بحيث أنه لا يستطيع أن يشتري حاجته، هذه لا يجد لها ثمنا، فكان إقراضه توسعة عليه، يدخل في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة"فالمقرض محسن في المقترض.
وليس القرض، الاستقراض، لا يعد مسألة لا يعد من المسألة المنهي عنها التي ورد فيها الحديث:"لا تزال المسألة بالرجل حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم"إنما يستقرض ولا يلحقه عيب، لماذا؟ لأنه قد تشتد به حاجة، يمكن أن يكون له دين تأخر وفاءه فيستقرض حتى يحل الدين، يمكن أن يكون نزل به ضيف واحتاج إلى إكرامه، فلا بد أن يستقرض إلى أن يأتيه ماله الغائب أو نحو ذلك، فعرف بذلك أن القرض الاستقراض ليس من التسول المنهي عنه.
ما الذي يصح قرضه، والذي لا يصح؟ كل ما صح بيعه صح قرضه إلا بني آدم، يصح أن تقرضه كل شيء يصح بيعه، تقرضه -مثلا- شاة أو كبشا، ويرد عليك مثله، تقرضه بعيرا ويرد عليك مثله، تقرضه ثوبا، تقرضه -مثلا- صاعا من طعام، من بر فيرد مثله، من شعير من تمر، وهكذا لو أقرضته -مثلا- نقودا، فيرد مثلها ريالات أو دولارات أو دنانير أو جنيهات أو روبيات أو ما أشبهها، عليه أن يرد مثلها.
وهكذا كل الأشياء التي ينتفع بها وتملك، أما الأشياء التي لا تملك، فلا يصح قرضها، والتي لا يصح بيعها، تقدم في أول البيع أنه لا يصح بيع الكلب، فلا يصح قرضه، وكذلك الحشرات مما لا يصح قرضه، استثنوا هناك من الحشرات دود القز والنحل؛ وذلك لأنه ينتفع بنسيجه -مثلا- وينتفع بما يخرج من النحل من بطونها، فهذا يصح قرضه؛ لأنه يملك، دود القز وكذلك النحل، وأما النجاسات فلا يصح بيعها، ولا يصح قرضها، ولو كان فيها منفعة،