أما إذا أوصى قال: أعطوه من مالي شيئا، أعطوه شيئا، ولم يحدد، فللوارث أن يعطيه ما شاء، ولو أن يعطيه عشرة، أو مائة، أو شاة، أو نحو ذلك، يعطيه الوارث ما شاء.
وكذلك لو قال: أخي له حظ من مالي بعد موتي، كلمة حظ ما تدل على شيء معين؛ يعطيه الوارث ما شاء، وكذلك إذا قال: أعطوه جزءا من مالي، كلمة جزء تصدق على ربع العشر، وعلى جزء من مائة جزء؛ فيعطيه الوارث ما شاء.
نعرف بذلك أن الموصى له هو الذي يعطى من الوصية، ولا بد أن يكون عاقلا يملك، وقد تقدم أنه لا يجوز الوقف على من لا يملك، فلا يجوز أن يوصى لملك من الملائكة، ولا أن يوصى لجني، ولا أن يوصى لقبر؛ وذلك لأنه لا يملك، وإذا وجدت هذه الوصية فهي باطلة، والمال كله للورثة. الوصية على معصية:
وإذا كانت وصية على معصية صرفت إلى طاعة، كالوصية على شيء فيه شرك، كأن يوصي بعمارة المشاهد التي تعبد من دون الله، ففي هذه الحالة يصرف للمساجد، وما أشبهها، نكتفي بهذا، والأسئلة تكون بعد الدرس الأخير -إن شاء الله-، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رحمة الله -تعالى-:
فصل: ويصح الإيصاء إلى كل مسلم مكلف رشيد عدل، ولو ظاهرا، ومن كافر إلى مسلم، وعدل في دينه.
ولا يصح إلا في معلوم يملك الموصى فعله، ومن مات بمحل لا حاكم فيه، ولا وصي، فلمسلم حوز تركته، وفعل الأصلح فيها من بيع وغيره، وتجهيزه منها، ومع عدمها منه، ويرجع عليها، وعلى من تلزمه نفقته إن نواه، أو استأذن حاكما.
أسباب الإرث: رحم، ونكاح، وولاء.
وموانعه: قتل، ورق، واختلاف دين.
وأركانه: وارث، ومورث، ومال موروث.
وشروطه: تحقق موت مورث، وتحقق وجود وارث، والعلم بالجهة المقتضية للإرث.
والورثة ذو فرض، وعصبة، وذو رحم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
في هذا الفصل يتعلق بالموصى إليه، الفقهاء يذكرون باب الموصي، وباب الموصى به، وباب الموصى له، وباب الموصى إليه.
والمراد بالموصى إليه الوكيل الذي يتولى تنفيذ الوصية، فمن شروط الموصى إليه أن يكون مسلما مكلفا رشيدا عدلا، ولو ظاهرا، فلا يصح أن يوكل كافرا إلا عند الضرورة، دليل ذلك قول الله -تعالى- -في آية الوصية-: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} قول الله -تعالى- في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} إلى آخر الآية.
وسبب نزولها أن جماعة من قريش أو واحدا من قريش كان مسافرا، ومعه مال، ومعه تاج ثمين فحضره الموت، وليس عنده إلا اثنان من النصارى، فتوليا وصيته، أوصى بماله، ثم إنهما جحدوا من تركته جاما له قيمة، فجاءوا بتركته إلى قبيلته من بني سهم، فقالوا: أين الجام؟ قالوا ما نعرفه، عثر على الجام بعد ذلك، وأخبر بالذين باعوه، وإذا هم أولئك الموصون، فأنزل الله هذه الآية، فيدل على أنه إذا لم يكن عنده من يوصي إليه، فله أن يوصي إلى كافر.
وإذا خيف أن هذا الكافر لا يؤدي، فإنه يستحلف، {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} يحلفان بعد الصلاة في هذه الآية {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) } فإذا خيف أنهما كتما، حلف اثنان من أولياء الميت {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} فهذا في حالة الضرورة.
ويشترط في الوكيل أن يكون مكلفا، فلا يوكل على تركته أو على وصيته صغيرا غير مميز، ولا يوكل مجنونا فاقد العقل.
يشترط -أيضا- أن يكون رشيدا، والرشد هو الصلاح في المال، الذي يكون مصلحا للمال، وحافظا له، ومواظبا عليه، مؤمونا عليه، أما إذا كان مفسدا للأموال، سفيها مسرفا، فلا يصح أن يوكل.
من شروطه أن يكون عدلا، والعدالة تكون في الدِّين، وتكون في الدنيا، فلا يصح أن يوصي إلى فاسق، فاسق يعني: يفعل المنكرات والفواحش، ويفعل الآثام وما أشبهها، ففي هذه الحال لا تصح الوصية إليه، هذه شروطه: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والرشد، والعدالة، هذه شروط الموصى إليه -الوكيل-، العدالة يصلح أن تكون عدالة ولو ظاهرة، يعني: إذا كان عدلا في الظاهر، يقولون: لا نعلم عنه إلا خيرا، باطنه أمره إلى الله.
يقول:"تصح من كافر إلى مسلم"، يعني: يصح أن الكافر يوكل ويوصي إلى مسلم، وكذلك إلى عدل في دينه، يصح أن الكافر يوصي أو يوكل عدلا في دينه، أما المسلم فلا يوصي إلى كافر إلا عند الضرورة -كما ذكرنا-. شروط الموصى به:
أما الموصى به فلا بد أن يكون معلوما، الموصى به هو المال، الموصى به أو الأفعال التي يوصي بها، يعني: عندنا -مثلا- الموصى به كأن يقول: أوصيت بوقف هذا البيت، أو أوصيت بالأضحية بهذه الشاة، أوصيت بالصدقة بهذا الألف، أوصيت بالصدقة بهذه الأكياس وما أشبهها، هذا الموصى به، يشترط أن يكون يملكه الموصي، فلا يقول: إذا مت فأعتقوا عني عبد فلان، أو أوقفوا لي بيته؛ لأن هذا لا يملكه، ولا يقول: ضحوا عني بشاة فلان، لا يملكه، فلا يوصي إلا بشيء من ملكه.
وكذلك -أيضا- الأفعال، معلوم أن الإنسان إنما يملك ما ولي، فلا يصح أن يقول: أوصيت زيدا على أولاد أخي، أولاد أخيك أولى بهم أخوك -والدهم-، أو على أن يقسم تركة أخي، أخوك هو الذي يوصي، لا بد أن يكون ذلك الفعل الذي أوصى به يملكه ذلك الموصي، يملك فعله. مات بمحل ليس فيه حاكم: