تصح إن خرجت من الثلث، أو سمح بها الورثة، فهذا معنى قوله:"يعتبر عند الموت كونه وارثا أو لا"؟. يعنى: أنه أوصى له، وهو يرث، وقبل موت الموصي حجب، وأصبح لا يرث، تصح الوصية.
والعكس إذا أصبح وارثا لا تصح، إذا مات ابن الموصي، أو المعطي في حياته، وأصبح الموصى له من الورثة ما صحت تلك الوصية أو العطية.
قوله:"ويبدأ بالأول فالأول في العطية"وصورة ذلك إذا قال وهو مريض مرضا مخوفا: أعطوا زيدا خمسة آلاف، ثم في اليوم الثاني قال: أعطوا سعدا عشرة آلاف، ثم في اليوم الثالث قال: أعطوا إبراهيم عشرة آلاف، نظرنا إلى الجميع ثمانية عشر ألفا، ثم قُدِّر أنه لما مات حصرنا الثلث، ووجدنا الثلث عشرة آلاف ففي هذه الحال من يأخذ هذه العشرة؟.
زيد: أوصى له -مثلا- أو أعطاه يوم الجمعة، نعطيه الثلاث آلاف، نبدأ بالأول، وسعد: أوصى له بخمسة آلاف يوم السبت، وقال: أعطوه نعطيه من هذا الثلث الذي هو عشرة آلاف، يبقى عندنا من الثلث ألفان، وعندنا إبراهيم أوصى له بعشرة آلاف ما بقي له إلا ألفان، خذ هذين الألفين هذه بقية الثلث، إذا قال: لماذا أعطيتموهم تماما، وما أعطيتموني إلا القليل؟.
فالجواب: لأنهم قبلك؛ لأنه تبرع لهم قبل أن يتبرع لك، فليس لك إلا بقية الثلث، وهكذا يقال، لماذا؟ لأن العطية تنفذ في الحياة، وإنما منعنا إخراجها؛ لأنه مريض فإن شفي من مرضه أعطاهم ما يريدون أو منعهم؛ لأن العطية والهبة لا تلزم إلا بالقبض، وأما إن مات فإنها ترجع إلى الثلث، فإن خرجت أعطياتهم كلها من الثلث أخذوها، وإن كان الثلث قليلا لم يخرج منه إلا الثلث، ويبدأ بالأول الذي هو زيد، يعطى ثلاثة الآلاف، ثم سعد يعطى خمسة الآلاف، ثم يبقى لإبراهيم من الثلث ألفان فليس لك إلا ذلك.
فهذا معنى:"ابدءوا بالأول فالأول في العطية"بخلاف الوصية، فإنهم يستوون لو قال: إذا مت فأعطوا زيدا ثلاثة آلاف، ثم قال بعد يوم: وأعطوا سعدا خمسة آلاف، ثم قال بعد يوم: وأعطوا إبراهيم عشرة آلاف، نظرنا إذا المجموع ثمانية عشر ألفا، ووجدنا الثلث تسعة آلاف، ففي هذه الحال ماذا نفعل؟ يسوى بينهم في الوصية، كيف التسوية؟ يعطى كل منهم بقدر حصته، ننظر في الثلث إذا هو تسعة آلاف، والوصايا ثمانية عشر ألف، ما نسبتها؟ النصف، فنقول: لك يا زيد ألف ونصف، ولك يا سعد ألفان ونصف، ولك يا إبراهيم خمسة، هذا هو الثلث، يبدأ بالأول فالأول في العطية، ويستوي المتقدم والمتأخر في الوصية.
العطية لا يصح الرجوع فيها؛ وذلك لأنه تبرع بها، وإنما منعنا إخراجها انتظار أن يموت فتخرج من الثلث، أو يشفى فيخرجها، فهو -مثلا- إذا قال وهو مريض: لك يا سعد هذه السيارة، ولك يا عمرو هذه الأرض، ولك يا إبراهيم هذه النقود المصرورة، وهو مريض، في هذه الحال لا تنفذ، لا، ولكن قُدِّر أنه شفي، ونحن قد منعناهم من أن يستلموها، فهل له أن يرجع؟ ليس له ليرجع في العطية، والعائد في هبته كالعائد في قيئه، وإن كانت لا تلزم -كما تقدم- إلا بالقبض، ولكن هذا قد تبرع بها، وأصبحت كأنها ملك له؛ فليس له الرجوع، بخلاف الوصية فإن له الرجوع.
إذا قال: إذا مت فأعطوا زيدا هذه السيارة، وأعطوا سعدا هذه العمارة، وأعطوا بكرا هذه القطعة من الأرض، ثم شفي فهل يلزم إعطاؤهم؟ لا يلزم، له أن يرجع؛ وذلك لأن الوصية لا تنفذ إلا بعد الموت، فله أن يرجع في الوصية، ولا يرجع في العطية، ثم إذا قدر أنه قال: أعطوا زيدا هذه الشاة وهو مريض، وأعطوا سعدا هذه الناقة، وهو مريض، فكل منهم قال: قبلت، ولكن منعناهم من أخذها مخافة ألا تخرج من الثلث، فولدت الشاة، ونتجت الناقة ثم مات، وخرجت عن الثلث، في هذه الحال الولد - ولد الناقة- والشاة هل يكون تركة أو يكون للمعطى؟ يكون للمعطى؛ وذلك لأنها دخلت في ملكه من وقت القبول، فهذا معنى يعتبر قبولها عند وجودها، كانت موجودة فلما اعتبر قبولها صار نماؤها تبعا لها.