ومن الوقف -أيضا- الأرض التي فتحت عنوة في عهد عمر -رضى الله عنه-: أرض الشام ومصر والعراق -المزارع- فإنها لما فتحت رأى عمر -رضى الله عنه- وقفها وعدم بيعها وعدم قسمتها، وجعلها وقفا لبيت المال، يضرب عليها خراج مستمر، يؤخذ ممن هي في يده. فإذا كان الذي يزرعها أو يحرثها ذميا، دفع ما يسمى بالعشر -الخراج- يدفع الخراج، يقدر بالعشر خراج هذه الأرض، ويسمى الديوان.
كذلك إذا كان الذي يزرعها مسلما فإنه يخرج الزكاة، ويخرج -أيضا- الأجرة، الذي هو الخراج، فيؤخذ منه الخمس إذا كانت تسقى بلا مؤنة: العشر لأنه زكاة، والعشر الثاني كأجرة لها. ومع ذلك فإنها في هذه الأزمنة اقتطعت، وقسمت وبيعت، وما بقيت على ما كانت عليه.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رحمة الله -تعالى-: فصل: والهبة مستحبةٌ، وتصح هبةُ مصحف، وكل ما يصح بيعه، وتنعقد بما يدل عليها عرفا. وتلزم بقبضٍ بإذن واهب. ومن أبرأ غريمه برئ، ولو لم يقبل. ويجب تعديل في عطية وارث، بأن يعطي كلا بقدر إرثه، فإن فضَّل سَوَّى برجوعٍ، وإن مات قبله ثبت تفضيلُهُ. ويحرم على واهب أن يرجع في هبته بعد قبض، وكره قبله إلا الأب.
وله أن يتملك بقبضٍ مع قولٍ أو نيةٍ من مال ولده غير سُرِّيَّة ما شاء ما لم يضره، أو ليعطيه لولد [آخر] أو يكن بمرض موت أحدهما، أو يكن كافرا، والابن مسلما. وليس لولد ولا لورثته مطالبة أبيه بدينٍ ونحوِهِ بل بنفقة واجبة.
ومَن مَرَضُهُ غير مخوف تصرفه كصحيحٍ، أو مخوف كبرسام أو إسهال متدارك. وما قال طبيبان مسلمان عدلان عند إشكاله: إنه مخوف لا يلزم تبرعُه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث لغيره إلا بإجازة الورثة.
ومَن امتدَّ مرضُه بجذامٍ ونحوِهِ ولم يقطعْه بفراش فكصحيحٍ، ويعتبرُ عند الموت كونه وارثا أو لا، ويبدأ بالأول فالأول بالعطية.
ولا يصح الرجوع فيها، ويعتبر قبولها عند وجودها، ويثبت الملك فيها من حينها، والوصية بخلاف ذلك كله.
أما الهبة:"الهبة مستحبة". مشتقة من هبوب الريح، هبة الريح؛ وذلك لأن الريح خفيفة وهبوبها خفيف، ثم سميت الهبة بذلك؛ لخفتها على الواهب، حيث إنه لا يطلب بها ثمنا. يعرفون الهبة بأنها:"تمليك عين بلا عوض".
وتسمى هبة التبرع أو التبرر، فإن شرط لها عوضا سميت هبة الثواب. بمعنى: أنه يطلب لها أجرا فيكون بذلك قد جعلها ثوابا. إذا قال: أهديتك هذا الكتاب، أو وهبتك هذا الكتاب على أن تعوضني منه ثوبا أو كيسا، فإن هذه هبة ثواب. فهي من أنواع البيع، لها أحكام البيع، وشروط البيع. أن يكون الواهب يملك ما وهب، وأن يكون مكلفا، وأن تكون الهبة مالية، وأن يكون مقدورا على تسليمها، وأن تكون معلومة، إلى أخر شروط البيع. هذه هبة الثواب.
وأما هبة التبرر: وهو الذي لا يريد بها عوضا، وإنما يقصد بذلك التودد إلى ذلك الذي يهب له، يقصد أنه تحصل بينهما المودة والمحبة وصفاء القلوب. ورد في الحديث"تهادوا تحابوا، فإن الهدية تسل السخيمة"السخيمة: هي الضغائن التي في القلوب، الأحقاد والبغضاء. الغالب أنك إذا أهديته شيئا يفرح به. فإنه يعرف بذلك صداقتك، ولو كان يكن لك شيئا من الحقد فإنه يرجع إلى المودة، فيحبك ويقدرك. هذا السبب في الحث على الهبة.
السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
عرفنا أن الهبة: هي التبرع بالمال بدون عوض في الحياة. وأنها مستحبة ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -"تهادوا تحابوا فان الهدية تسل السخيمة"أي: تذهب وحر الصدر -كما في رواية- تسل السخيمة، وتذهب وحر الصدر، أي: تزيل ما في الصدر من البغضاء بين الاثنين، ومن الأحقاد والضغائن.