فإذا سمع دعوى كل واحد منهما قال: أنتما حكمتماني، حكمت عليك يا فلان أن عندك كذا لصاحبك فأعطه حقه، فهل ينفذ؟ ينفذ؛ لأنهما حكّماه ورضيا بحكمه، واقتنعا به قالا: قد جعلناك حكمًا بيننا.
قال الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [1] يعني: إذا طال النزاع بين الزوجين فللقاضي أو لأهلهم أن يبعثوا حكمين، يختار هؤلاء حكمًا، ويختار هؤلاء حكمًا، ثم يقول الحكمان: ماذا عندك يا زوج؟ ماذا عندك يا زوجة؟ فإذا سمعا هذه المقالة عند ذلك يحكمان، يحكمان عليه فيقولان: الحكم لك يا فلان، والحكم عليك يا فلان، عليك أن تقنعي بغير حقك، وعلى وليك أن يدفع كذا، أو ما أشبه ذلك.
فالله تعالى أباح أنه يحكم حكمان في هذا الأمر، وكذلك قال تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [2] أمر بأن يحكم في الصيد فيه حكمًا فاثنان بينهما خصومة، اختار رجلًا مثلًا اسمه سعيد، يا سعيد جعلناك حكمًا بيننا؛ لأنك تصلح للقضاء، ولأنك من أهل المعرفة، وأهل العلم احكم بيننا، ينفذ حكمه في كل شيء، ينفذ فيه حكم من ولاه الإمام، أو نائبه، يعني: في فصل الخصومات، وفي قطع المنازعات في كل شيء، ينفذ فيه حكم القضاة الذين يوليهم الإمام أو نائبه.
أي: ما يتحلى به من الأخلاق، يسن كونه قويًا بلا عنف لينًا بلا ضعف، حليمًا متأنيًا فطنًا عفيفًا، هذه مما يشترط في صفات القاضي؛ لأنه إذا كان ضعيف الجانب ليس له هيبة، وليس له سلطة طمع فيه الظالم، ولبس عليه، بخلاف ما إذا كان مهيبًا، ولكن لا كون قوته قوة شديدة بحيث يهابه صاحب الحق، ولا يقدر على أن ينطق بحقه؛ لأن بعض الولاة يظهر شدة، ويظهر قوة ويظهر اعتزازًا، فإذا رآه المظلوم أيس من حقه وقال: هذا متعجرف، وهذا متكبر، كيف آخذ حقي منه؟ هذا شديد لقوة كلامه ولصرامته. لا وأطمع في أخذ شيء من حقه، فيكون بذلك ظالمًا.
لا بد أن يكون ليس بشديد، قوته ليس معها عنف وبطش، ونحوه، ولينًا ليس معه ضعف، يكون لين الجانب، سهل الأخلاق، مسفر الوجه طليقه، يتواضع مع الصغير والكبير، ولكن بحيث لا يطمع فيه ذو ظلم يغتنم دينه فيخدعه، ويجعله ويصرفه عن طريق الحق، لا بد أن يكون لينًا، ولكن ليس مع اللين ضعف شديد، وأن يكون حليمًا لا يعجل، ولا يغضب إذا تكلم عليه أحد لم يغضب، ولم يشتد كلامه بل يغلبه الحكم، متأنيًا، التأني هو: التريث في الأمور، وعدم العجلة حتى يعرف الحق، ويحكم به بعد أن يتضح دليله، بخلاف الذي يحكم بسرعة، فإنه قد ينتقص إذا حكم بسرعة
قبل أن يتأنى في الأمر انتقض حكمه، بحيث إنه لا يكون عارفًا، العارف الذي يتأنى في الأمور، ولا يتسرع ولا يحكم إلا بعد أن يتتبع القضية، من هذا، ومن هذا، يسن أن يكون فطنًا أي ذكيًا، إذا كان بليدًا فإنه قد يعتقد الظالم محقًا، ويحكم له، ولا يتفطن لحيله، فإن الناس معهم حيل ومعهم أفكار قد يصرفون بها القاضي.
حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنكم تختصمون إلىَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها"أو ليدعها، وهذا أيضًا دليل على أنه يستحب للقاضي نصيحة الخصوم، وتوبيخهم حتى يقنعوا، وحتى يرجع الظالم عن ظلمه، وينصرفون وهم راضون عن القاضي.
(1) - سورة النساء آية: 35.
(2) - سورة المائدة آية: 95.