فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 722

الوصايا جمع وصية، واشتقاقها من: وصيت الشيء إذا وصلته، سميت بذلك لأن الموصي وصل ما قبل الموت بما بعد الموت، وتعريفها: بأنها الأمر بالتصرف بعد الموت، يعني: أن يوصي غيره بأن يتصرف له بعد الموت بكذا وكذا، فيدخل فيها أن يوصيه بأولاده فيقول: أنت وكيل على ذريتي الأطفال تنفق عليهم، وتحفظ أموالهم، ويدخل فيه أن يوصيه بتفريق ثلثه، أو بتنشئته، أو نحو ذلك، ويدخل في ذلك -أيضا- أن يوصي إليه بوفاء دينه، أو ما أشبه ذلك.

ويستحب، أو يتأكد أن يكتب وصيته ثبت في الصحيحين عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"فمن هذا يستحب بتأكد كتابة الإنسان وصيته في حياته، ولو كان شابا، ولو كان سليم القوى؛ وذلك لأنه لا يدري متى يفاجأه الأجل، فإذا كتب وصيته، ومات -مثلا- فجأة أو بغتة، وجد قد أوصى، وقد حفظ نفسه.

يكتب الديون التي له، عند فلان لي كذا، وعند فلان كذا وكذا، ويكتب الديون التي في ذمته عندي لفلان كذا، وعندي لفلان كذا، ويكتب الأمانات التي عنده فيقول: عندي لفلان أمانة في موضع كذا وكذا، وقدرها كذا، أو نوعها كذا، أو عندي وصية أبي أو وقف جدي، أو أبي الذي فيه كذا وكذا فيفصل ذلك حتى لا يبقى في ذمته شيء، وذلك لأنه إذا مات، ولم يكتب وصاياه، ولم يكتب ديونه ثم جاء الغرماء إلى ورثته، وقالوا: إننا نطالبه بدين مقداره كذا، فالورثة قد لا يصدقونهم، وقد يأتيهم من هو كاذب ربما يكون أحدهم صادقا، ويتورع عن الحلف، أو لا يجد بينة فلا يأتيه حقه؛ فيبقى الميت معلقا بدينه، ويؤخذ في الآخرة من أعماله، وكذلك قد تضيع حقوقه، وديونه التي على الناس مع حاجة ورثته إليها؛ فلذلك يتأكد أن يحتاط ويكتب ما كان عنده من أمانات ومن وصايا وأوقاف وديون، وغيرها.

وقد كتب كثير من المشايخ نماذج للوصايا صغيرة، أو كبيرة حتى طبعت رسالة في نحو عشرين صفحة مكتوب عليها كعنوان: هذه وصيتي، في مقدمتها فضل الوصية، والاحتياط لها، وما يكتبه، وما الديون التي له، والأملاك التي لي، والديون التي علي، والأملاك التي أنا شريك فيها، وكذلك -أيضا- أوصي بكذا وكذا، على وصيي أن يعمل بكذا وكذا.

وبعضهم اختصر النموذج، وجعله في صفحة، أو في صفحتين، وجعل فيه بياضا يكتب فيه الموصي اسمه واسم الوكيل الذي يوصيه، وبياضا -أيضا- لما يريد أن يثبته في ذمته من الديون، أو الحقوق، أو ما يوصي به من المال كثلث أو ربع أو خمس، وما يريد أن يجعله في تلك الوصية من المال أو نحوه، أو من أعمال بر، إذا حصلت على هذا النموذج وكتبته، ففي مقدمة وصيتك ذكرت فيه أو أشغلت فيه الفراغ الذي في وسطه، واحتفظت به فإن ذلك أولى وأحرى وأجدى.

معلوم -أيضا- أن الموصي في حياته يغير ما يريد، فيزيد في وصيته، ويغير فيها، وينقل إذا أراد إذا قال -مثلا- إذا مت فبيتي يصير وقفا، ثم بدله في حياته فباعه واحتاج جاز له ذلك، أو نقله من بيت إلى بيت جاز ذلك؛ لأنه في حياته يملك التصرف في وصيته بزيادة، أو بنقص، أو بتغيير، أو نحوها؛ وذلك لأنها لا تثبت إلا بعد الموت. مقدمة الوصية:

ثم هناك -أيضا- مقدمة للوصية رواها كثير من العلماء، إذ كانوا يكتبونها في مقدمة وصاياهم، وجاء في مصنف عبد الرزاق وغيره من المصنفات القديمة أنهم كانوا يكتبون في مقدمة الوصية:"هذا ما أوصى به فلان، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من خلفه بأن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم إن كانوا مؤمنين، وأن يحافظوا على الصلوات، وأن يبتعدوا عن المحرمات".

يعني: نصائح يكتبها لورثته، أو لمن بعده فإن كان يستحبون هذا في مقدمة الوصية، ثم الوصية التي ذكرت في القرآن هي الوصية بالمال في قول الله -تعالى- في سورة البقرة: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) } فإن كان هذا قبل أن تنزل المواريث.

"كتب"يعني: فرض عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن يوصي، فيقول: أعطوا أبوي من مالي كذا، أعطوا الوالد كذا، والوالدة كذا، والأخ الفلاني كذا، والأخ الفلاني كذا، والابن كذا، والبنت كذا، هذا معنى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} يعني: معنى الوصية للوالدين، والأقربين، فالأقربون يدخل فيهم الإخوة ونحوهم، ولما نزلت آيات المواريث نسخ ذلك يعني: نسخ الإطلاق، فقيدت الوصية لغير الوارث، فجاء الحديث المشهور، قوله - صلى الله عليه وسلم -"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث"أي: قد بين الله -تعالى- الحقوق فلا يصح أن يوصي للوارث، بل الوارث يكفيه نصيبه من الإرث.

وقد تقدم في الهبة والعطية أنه إذا أعطى في مرض موته، فلا تنفذ تلك العطية إلا بعد الموت، ولا تنفذ بعد الموت إلا إذا خرجت من الثلث، وكذلك الوصايا لا يصح أن يوصي بأكثر من الثلث، ولا يصح أن يوصي للورثة بأية شيء، بل الورثة يكفيهم إرثهم، ثم الله -تعالى- ذكر أن الوصية تكون لمن ترك خيرا، ففسروا ذلك بمن ترك مالا كثيرا، فإنه يوصي.

وتكون وصيته على المستحب بالخمس، إذ قال أبو بكر - رضي الله عنه -"رضيت لنفسي ما رضي الله لنفسه"يعني: قوله تعالى: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} فأوصى بالخمس، وذكرنا بالأمس أن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:"وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الثلث كثير ..."أي: فلا يزاد على الثلث. ويستحب -أيضا- أن ينقص منه إلى الربع، وهذا الحديث هو حديث سعد ابن أبي وقاص يقول:"عادني النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة، وأنا مريض، فقلت يا رسول الله: إني إمرئ ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"ذكر هنا أن الثلث كثير مع أن سعدا لا يرثه إلا بنت واحدة، ويمكن زوجته، والبقية أي: بقية المال يأخذها عصبته كإخوته وبنيهم، ومع ذلك منعه من أن يزيد على الثلث، وقال:"الثلث كثير ..."وعلل بإغنائه لورثته أي: احرص على أن تغني ورثتك، ثم إن سعدا شفي من ذلك المرض، وتزوج وولد له أولاد منهم: مصعب بن سعد، وعامر بن سعد، وعمر بن سعد وغيرهم، ومع ذلك يظهر أنه التزم بما عهد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج الثلث، يوصي به صدقة، وذكر أنه توفي في حدود سنة ستة وخمسين.

والحاصل أن في هذا أن منع الزيادة على الثلث لحق الورثة؛ فلذلك لا يضار الورثة، ولا يجوز له أن يوزع أمواله في حياته حتى لا يترك لهم شيئا، ولو أنهم قد أساءوا صحبته، ولو أنهم قد عصوه، أو عاملوه معاملة سيئة فلا يجوز له إخراج أمواله، وتفريقها إضرارا بهم.

وأما إذا أراد أن يتصدق في حياته ولو بمال كثير، أو يوقف فإن له ذلك، ولو بأكثر من النصف؛ لأن الإنسان في حياته يتصرف فيما يريد، فيخرج من ماله ما يريد، وأما ما بعد الموت فلا يزيد عن الثلث.، ورد حديث:"إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم"يعني: عفا عن ذلك، وأباح لكم عند الوفاة أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت