الدقيق هو الطحين، يعني: إذا طحن البر، أو الشعير جاز إخراج صاع منه، ولكن يكون بالوزن لا بالمكيال؛ لأنه إذا طحن انتشرت أجزاؤه، فربما يكون الصاع صاعا ونصف بعدما يطحن، ويخرج بالوزن، ننظر كم وزنه؟ وزن الصاع: خمسة أرطال وثلث، فيخرج خمسة أرطال، وثلث من الدقيق، أو من السويق؛ السويق: هو البر أو الشعير، يطبخ في سنبله طبخا طويلا نحو ثلاث ساعات، أو أربع وهو في سنبله، ثم بعد ذلك يجفف، ثم يصفى من السفير -سفير السنبل-، ثم يسحق، ثم يؤكل بدون طبخ، إذا أرادوا أكله بلّوه بماء وأكلوه؛ لأنه قد نضج بطبخه وهو في السنبل، يتخذه المسافر زادا إذا كان مستعجلا.
كذلك السويق الصاع يكون بالوزن، لا بالكيل، يعني: خمسة أرطال وثلث بالعراق. ما أفضلها؟
أكثر الصحابة على أفضلية التمر؛ لسهوله نقله، وعدم احتياجه إلى طبخ، أو إصلاح، فكانوا يخرجونها من التمر كابن عمر، ولكن يفضل الأنفع للفقراء؛ ذكر في حديث:"أن معاوية قدم من الشام، وإذا أهل المدينة يخرجونها من الشعير، والشعير رخيص، فأشار عليهم أن يخرجوها من البر ولو أقل، وقال: أرى نصف صاع من سمراء الشام، يعدل صاعا من الشعير"وذلك لأنه رأى أن الشعير لا يؤكل، وإنما يدفع علفا للغنم ونحوها، والناس يخرجون منه، فأشار عليهم أن يخرجوا شيئا يؤكل، ولو قليلا، نظروا إلى قيمة الصاع من الشعير، قيمة نصف الصاع من البر، فعدلوا لذلك، عدلوا صاع شعير بنصف صاع من بر،، ولكن أبا سعيد استمر على إخراج صاع كامل، ولو من الشعير، فنقول: إن كان ولا بد إخراج شعير، والشعير لا يؤكل، فنصف صاع من بر يؤكل أفضل من صاع أو صاعين لا يؤكل، أما إذا كان يخرجون من البر بطيب نفس، فإن إخراجهم للصاع أكمل.
ذكر أن الأفضل هو التمر، كما فعله ابن عمر، ثم بعده الزبيب؛ لأنه أيضا شبيه به، ولأنه لا يحتاج إلى طبخ، ثم بعده البر؛ لأنه أنفع، ثم ينظر إلى الأنفع، فإذا عدمت هذه الخمس أجزأ كل حب يقتات.
ذهب بعض العلماء كشيخ الإسلام إلى أن الأفضل إخراجها من القوت المعتاد، فأفتى مشايخنا بإخراجها من الأرز؛ لأنه أكثر استعمالا، في هذه الأزمنة أكثر ما يأكلون الأرز، فإخراجها منه أفضل، وإذا لم يتيسر فالبر أفضل؛ لأنه قوت.
التمر قد لا يقتات به إلا القليلون، ولو كان ينفع الفقراء ونحوهم، لكن الغالب أنهم لا يجعلونه قوتا، إذا عدمت هذه، وكان قوت أهل البلد -مثلا- الدخن، أو الذرة، أو السلق، أو الفول، فإنهم يخرجون منه؛ لأنه يصبح قوتا معتادا.
واختلف هل تخرج من اللحم، إذا كان قوتهم لحم سمك -مثلا- أو لحمهم طير؟ فنقول: إذا كانوا لا يطمعون إلا اللحم أطعموا مما يأكلون، واختلف هل يكفي إخراج القيمة؟ في الحنفية يجيزون إخراج القيمة، والجمهور يقولون: إذا وجدت الأصناف الخمسة أو القوت فلا بد من إخراج، القوت فذلك لخدمة الفقراء.
الحنفية قالوا: نظرنا وإذا الحاجة تدفع بالقيمة، ونظرنا وإذا كثير من الذين يأخذونها يبيعونها برخص؛ ربما -مثلا- يشتري صاحبها الصاع بخمسة، فيجتمع عند الفقير -مثلا- عشرين صاعا، فيبيعها الصاع بثلاثة، يريد الثمن، فلو أعطيت قيمتها له لكان أربح له.
ولكن الأولى إخراجها من الأصناف، وإعطاؤها لمن هو بحاجة إليها؛ ليأكلها. أما هؤلاء الذين يجمعونها؛ ليبيعونها فليسوا فقراء، ولا يستحقونها، ولو كان يشملهم اسم الفقر، ينظر من هم الفقراء الذين يحتاجون إلى القوت شراءها لهم، خدمة لهم، تسهيل عليهم بدل ما يذهبون، ليشترونها من الأسواق تأتيهم عند أبوابهم.
يجوز إعطاء الجماعة ما يلزم الواحد، يعني: إذا كان الفقراء كثير، فطرتك -مثلا- صاع تفرقها عليهم حفنة حفنة، وكذلك -مثلا- إذا كان الفقير واحدا، والبيوت كثيرة -عشرة بيوت- كلهم جمعوا فطرتهم، وأعطوها لأهل هذا البيت، يجوز ذلك إذا كان مستحقا.
فصل: ويجب إخراج زكاة على الفور مع إمكانه، ويخرج ولي صغير ومجنون عنهما، وشرط له نية، وحرم نقلها إلى مسافة قصر، إن وجد أهلها، فإن كان في بلد وماله في آخر، أخرج زكاة المال في بلد المال، وفطرته وفطرة لازمة في بلد نفسه، ويجوز تعجيلها لحولين فقط، ولا تدفع إلا إلى الأصناف الثمانية: وهم الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل.