بقي مسألة القتل، ذكرنا -فيما تقدم- أن من قتل مُوَرِّثَه فإنه لا يرثه ولو بمشاركة أو بسبب، وعلامة ذلك إذا لزمه قَوَدٌ أو دِيَة أو كفارة كما تقدم.
كذلك ذكرنا فيما تقدم الرق؛ أن الرقيق لا يرث ولا يورث، وأن المبعض الذي نصفه حر ونصفه رقيق يرث ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية.
لننته من الفرائض، غدا نقرأ كتاب العتق إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: كتاب العتق: يُسَنُّ عتق من له كسب، ويكره لمن لا قوة له ولا كسب، ولا تصح الوصية به؛ بل تعليقه بالموت وهو التدبير، ويعتبر من الثلث، وتسن كتابة من علم فيه خيرا وهو الكسب والأمانة، وتكره لمن لا كسب له، ويجوز بيع المكاتب، ومشتريه يقوم مقام مكاتبه، فإن أدى عتق، وولاؤه لمنتقل إليه، وأم الولد تعتق بموت سيدها من كل ماله، وهي من ولدت ما فيه صورة، ولو خفية من مالك، ولو بعضها أو محرمة عليه أو من أبيه إن لم يكن وطئها الابن، وأحكامها كأمة إلا فيما ينقل الملك في رقبتها أو يراد له، ومن أعتق رقبة أو عتقت عليه فله عليها الولاء، وهو أنه يصير عصبة لها مطلقا عند عدم عصبة النسب.
السلام عليكم ورحمة الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
العتق: هو إزالة الرق، أو هو تحرير الرقاب وإزالة الرق عنها.
يقول:"يُسَنُّ عِتْقُ مَنْ له كَسْب". السنة أو السنن ما فيها أجر وثواب، وقد ورد ما يدل على عظم الأجر، مشهور قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه". وهذا دليل على فضل العتق. الأصل أن الرق إنما يجوز لأجل الكفر، يقولون في تعريف الرقيق:
الرق: هو عجز حُكْمي يقوم بالإنسان سببه الكفر. هكذا عرفوه، هو عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر؛ وذلك لأن الكفار تعبدوا لغير الله، وعبدوا غيره، وصاروا عبيدا للشيطان.
ومن عبد غير الله فإنما يعبد الشيطان، فيصيرون عبيدا للشيطان، وإذا كان كذلك فإن الله أباح استرقاقهم إذا استولى عليهم المسلمون، فإنه يجوز استرقاقهم واستعبادهم ويكونون ملكا لمن استولى عليهم؛ وذلك لأنهم لما خرجوا عن عبودية الله، وبُلُوا برق النفس والشيطان كان من أثر ذلك أن أباح الله استرقاقهم، وأنهم يكونون من ملك اليمين، نساؤهم يملكهن من استولى عليهن، ورجالهم كذلك. إباحة الرق والإحسان إلى الرقيق:
فالمملوك يصير رقيقا لمن كان تحت يده، فيستخدمه، ويلزمه بما يلتزم به، وكذلك الأمة، يستخدمها ويطؤها كَسُرِّية تكون حلالا له، لقول الله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} فجعل ملك اليمين حلالا يستمتع بها.
ولما أباح الله تعالى الرق أمر بمعاملة الأرقاء معاملة حسنة، وورد في حديث"أن أبا ذر سَبَّ رجلا كأنه مملوك أو أمه، فعيره بأمه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أعيرته بأمه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية، هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليلبسه مما يلبس، وليطعمه مما يطعم، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم".
وقد أمر الله -تعالى- بحسن الملكة، وجعل للمماليك حقا من الحقوق العشرة، في آية الحقوق العشرة، وهي قوله تعالى: {* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} .
فجعل لهم حقا، أي: أحسنوا إليهم، جعل لهم حقا مع الوالدين والأقربين ونحوهم، فإذا كان كذلك دَلَّ على أن الإسلام جاء بالإحسان إليهم. الرد على شبهات أعداء الإسلام في استباحة الرق:
واشتهر في هذه الأزمنة أن الكفار والنصارى ونحوهم يعيبون المسلمين، ويقولون: تستخدمون أخاكم الذي هو رجل مسلم مثلكم؟ تستخدمونه وتجعلونه كسلعة، وتبيعونه وتشترونه كأنه بهيمة؟!، هذا لا يبيحه العقل، هذا لا يجيزه إنسان ذو عقل! فعابوا على المسلمين أنهم يبيحون الرق، وأنهم يجيزون أن يملك الإنسان إنسانا، وأن يستخدمه.
والجواب: أولا: أنه ما استُبِيحَ إلا لأنه أصلا كان عبدا للشيطان، كافرا بالله تعالى، فلما كان كافرا أباح الله للمسلمين إذا تغلبوا عليه أن يسترقوه، وأن يجعلوه مملوكا لهم بدل ما كان عبدا للشيطان، وعابدا للهوى والنفس والشيطان.
ثانيا: معلوم أنهم إذا استولوا على النساء وعلى الأولاد فإنهم يستولون عليهم، ويكونون مماليك، وأما الرجال والأكابر فقد يُخَيَّرُون إذا استولوا عليهم بين أربعة أشياء: بين أن يكونوا أرقاء ولو كانوا كبارا، وبين القتل؛ لأنهم كفار، وبين المَنّ عليهم، وبين أخذ الفدية.
قال الله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} بعد قوله: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} يعني: أوثقوهم وأسروهم {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} .
فخيرهم بين المن وبين الفداء، لما أُسِرَ الذين أسروا في غزوة بدر مَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعضهم، وفادَى ببعضهم، وقتل بعضهم، وكذلك استرقَّ بعضهم، فكان هذا هو الذي جاء به الإسلام.
معلوم أنه إذا كان رقيقا وهو كافر، فإن صاحبه الذي هو في ملكه قد يبيعه، فتشتريه أنت وتبذل ثمنه، فإذا أسلم بقي مملوكا، لا يضيع مالُكَ الذي بذلته فيه، فيبقى على رقه بعدما أسلم؛ وذلك لأنه أصبح مملوكا وأصبح مالا مُتَمَوَّلا، ولو كان من أسلم تحرر ضاعت أموال كثيرة.
المسلمون يتبادلون هؤلاء الأرقاء، فيبيع هذا ويشتري هذا، فإذا اشتراهم وهم أرقاء ما أسلموا بقوا على رقهم، صار له أن يستخدمهم، وله أن يبيعهم، وله أن يعتقهم. ترغيب الشارع في العتق:
وقد جاءت الأدلة تحث على كثرة العتق، وجُعِلَ ذلك في كفارات الذنوب، جعل الله في كفارة الظهار، جعل الله فيه تحرير الرقبة، بقوله: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} .
تحريرها: يعني: عتقها، وذلك من الحرص على أن الرقاب التي أسلمت يزول الرق عنها.
وكذلك في كفارة القتل {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} جاء في هذه الآية {مُؤْمِنَةٌ} في ثلاثة مواضع {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} .
{وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فذكر الله تعالى الرقبة المؤمنة في ثلاثة مواضع من هذه الآية، فيُحْمَلُ قوله في سورة المجادلة {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} على أنها مؤمنة؛ لأن الأجر فيها.
وكذلك في كفارة اليمين، لقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} ثم قال: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} ثم قال: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} فالرقبة هنا أيضا أُطْلِقَتْ، ولكن حُمِلَ المطلق على المقيد؛ لأن الأجر يكون في تحرير الرقبة المؤمنة، فلا بد وأن تكون مؤمنة.
وكذلك في كفارة الوطء في نهار رمضان، جاء في السنة الأمر بعتق رقبة مؤمنة.
ثم -أيضا- ورد الحرص على تحرير الرقاب، ومن ذلك أن من قطع عضوا من عبده فكفارته أن يعتقه، أو لَطَمَه.
في حديث النعمان بن مقرّن يقول:"كنا عشرة إخوة -أو تسعة- ليس لنا إلا خادمة واحدة تخدمنا، مملوكة، فلطمها أصغرنا، فسألنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أعتقوها".
يعني: كفارة تلك اللطمة أنها تعتق، أمر بإعتاقها.
كذلك -أيضا- ورد عن أبي مسعود أنه سمعه النبي-صلى الله عليه وسلم-"سمعه وهو يضرب عبدا له، فقال: اعلم -أبا مسعود- أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام. فلما رأى النبي-صلى الله عليه وسلم- أعتق ذلك الغلام، فقال: لو لم تفعل للفحتك النار"يعني: على ضربك له.
وورد -أيضا- النهي عن التمثيل بالمملوك في حديث:"مَنْ لَطَمَ عبده لطمناه، ومَنْ مَثَّلَ بعبده فإنه يُعْتَق، ومَنْ جَدَعَ عبده جدعناه".
"من لطم عبده لطمناه"يعني: عقوبة له على هذا الفعل.
كما جاء الأمر بإحسان المَلَكَة، إحسان الملكة يعني: الإحسان إلى المملوك، حتى ورد في حديث:"إذا جاء أحدَكم خادمُه بطعامه فليجلسْه معه ليأكل؛ فإنه ولي حره وعلاجه، فإن لم يفعل فليناوله لقمة أو لقمتين".
بمعنى: أنه -عادة- السيد يكون له الطعام الحسن الشهي، والذي يتولى إصلاحه هو عبده، فإذا جاءه به فعليه أن يطعمه معه، أن يُجْلسه معه.
وقد عمل بذلك أبو ذر لما أنه"عيّر رجلا بأمه، فقال-صلى الله عليه وسلم-: أعيرته بأمه؟ هم إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم".
فكان أبو ذر إذا لبس حلة ألبس مملوكه مثلها، ويساويه بنفسه، إذا اشترى حذاء اشترى لعبده مثله، إذا اشترى عمامة اشترى لعبده مثلها، وكذلك أيضا يواسيه، فلا يأكل إلا معه، يواسيه في الأكل، ويواسيه في الشرب، وفي اللباس، وما أشبه ذلك؛ كل ذلك حرصا منه على حفظ وصية النبي-صلى الله عليه وسلم-:"فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم".
ومن الوسائل لعتق الرقاب عتق من أعتق بعضه، ورد في حديث:"من أعتق شركا له في عبد قُوِّمَ عليه قيمة عدل لا وقص ولا شطط"فأعطى شركاءه حصصهم وإلا عتق منه ما عتق.