صورة ذلك: إذا كان عبد مشترك بين خمسة، فأعتق أحدهم نصيبه الخمس، ألزمناه بأن يشتري بقية أربعة الأخماس، نُقَوِّمَ العبد بثمن متوسط فيشتريه يعطي كل واحد منهم حصته وثمنه حتى يكون العبد حرا، ويكون ولاؤه له.
فإن لم يكن له مال، فإن العبد يكون مُبَعَّضا يعتق منه جزأه الذي أعتقه ذلك المعتق، وهو أحد الشركاء، أما إذا كان له مال يقدر على أن يشتري أنصبة شركائه فإن عليه أن يشتريه.
ثم إن استحباب العتق خاص بمن له كسب، من إذا أعتقته قدر على أن يكتسب أموالا ويغني نفسه، هكذا استحبوا.
فالحاصل أن مسألة الرق من محاسن الإسلام؛ الدول الأخرى إذا استولوا على النساء وعلى الأطفال وعلى الرجال، إذا تغلبوا عليهم حصدوهم حصدا، قتلوا الأطفال، وقتلوا النساء ونحوهم، ولا شك أن إبقاءهم مماليك أفضل من قتلهم، وكذا من إيداعهم في السجون، وإطالة سجنهم، فإنهم إذا كانوا مماليك ينفعون غيرهم، ويخدمون أهلهم، فينتفعون بالحياة، ويريحهم السيد من كَدّ التعب والكسب، ويقوم بكفايتهم ويعطيهم ما يحتاجون إليه، فأيهما أفضل؟
ذلك أن قتلهم كما تفعله الدول الكافرة، يعيبوننا ويقولون: كيف تستحلون ملكية الإنسان وتجعلونه كسلعة، ولا يفكرون في حالتهم هم؛ حيث أنهم يقتلون الأطفال ونحو ذلك، ويقتلون الرجال ويودعونهم في السجون مدة طويلة، فأيهما أفضل لهؤلاء المشترَين المستولَى عليهم؟
لا شك أن كونهم يبقون أحياء ينفعون أنفسهم وينتفعون، قد يتعرضون لأن يكونوا عتقاء يعتقهم من استولى عليهم، ذلك بلا شك خير.
ثم في القرن الماضي، في أول القرن الرابع عشر وفي آخر القرن الثالث عشر كان هناك أناس يسرقون بعض الأطفال، ويبيعونهم على أنهم مماليك، يأتون إلى بعض البلاد التي فيها شيء من الجوع ونحوه، كالسودان أو الحبشة، وتلك البلاد، ثم يستدعون بعض الأولاد الذي في سن العاشرة والحادية عشر، ويختطفونه يطعمونه ويكسونه، ويقولون: اذهب معنا ونحن نطعمك ونعطيك ونحو ذلك، يذهب معهم ويعتقد أنهم سوف يحسنون إليه، فيأتون إلى هذه البلاد ويبيعونه على أنه مملوك.
وكثر بيع هؤلاء الذين ليسوا مماليك؛ وإنما هم أحرار، فلما كثر بيعهم وقَلَّ أو انقطع الجهاد من عشرات السنين رأت الحكومة في هذه البلاد أن أكثر هؤلاء المماليك ملكيتهم ليست صحيحة، وأنهم مظلومون، وأنهم قد بِيعُوا وهم أحرار، فرأتْ الحكومة تحريرهم في سنة ست وثمانين، وصدر الأمر بتحرير كل الرقاب الموجودين في المملكة، وتعويض أهاليهم عنهم، ولو كان عند أحدهم عشرة أو عشرون إذ دفعت الحكومة قيامهم وتحرروا، ولم يبقَ في هذه البلاد أرقاء، ولكن إذا حصل قتال مع الكفار، ثم حصل الاستيلاء على سبيهم فإن الرق يعود، وهذا هو الأصل؛ لأن أصله الاستيلاء على سبي المشركين؛ أطفالهم ونسائهم ونحو ذلك.
فإذا قوتل -مثلا- اليهود واستولي على سبيهم، فلا شك أنهم يكونون أرقاء، وكذلك إذا استولي على سبي بعض المشركين والكفار، لو مثلا أن المجاهدين في الأفغان أو في الشيشان يستولون على سبي من سبي الكفار، الذين هم شيوعيون كفرة، فإنهم يُسْتَرَقون، ولكنهم لم يتجرءوا على السبي، فلأجل ذلك من استولوا عليه قتلوه مع أنه ورد النهي عن قتل النساء والصبيان في الحرب؛ وذلك لأنهن لا يقاتلن.
وكما ذُكر أن"في غزوة وجدوا امرأة مقتولة فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: ما كانت هذه لتقاتل".
من هذا إذا استولى المسلمون في حرب من الحروب الإسلامية -التي هي ضد الكفار- استولوا على سبيهم نساء وأطفال، فإنه لا يجوز قتل النساء والأطفال؛ بل إما أن يَمُنُّوا عليهم، وإما أن يسترقوهم، وإما أن يفادوا بهم {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} .
ذكر -أيضا- أنه يُكْرَه عتق من لا قوة له ولا كسب؛ لأن الأرفق به أن يبقى عند سيده، ينفق عليه، فإذا كان هناك مملوك كبير السن، إذا أعتقه من الذي ينفق عليه لكبر سنه وعجزه؟ لا قوة له، وليس له قدرة على الكسب، فبقاؤه