فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 722

تتصدقوا بالثلث ليكون زيادة في أعمالكم، وأما بقيته، بقية المال فإنه يكون للورثة، يعني: إذا أخرج الثلث، فالثلثان للورثة.

ثم ذكر أنه إذا كان الورثة الزوج فقط، لم يكن للمرأة وارث إلا الزوج فيجوز لها أن تخرج أكثر من الثلث؛ لأن الزوج أجنبي، وكذلك المرأة إذا لم يكن له إلا هذه المرأة الزوجة لم يرثه إلا هي، جاز أن يزيد على الثلث، أن يتصدق بالنصف، يوصي بالصدقة بالنصف، أو بالثلثين، أو ما أشبه ذلك، وما ذاك إلا أن الزوجة غالبا أو الزوج يعتبر كأجنبي؛ فلأجل ذلك يعرف بأن الورثة هم العصبة والأقارب ونحوههم.

في قوله:"يسن"يعني: يستحب لمن ترك مالا كثيرا عرفا أي: باعتبار عرف الناس، وقد يكون في بعض الأزمنة عشرة الألاف كثيرة، وفي بعضها مائة الألف قليلة، يعني: بالنسبة إلى حاجة الفقراء ونحوهم فالكثرة والقلة بحسب العرف، عرف الناس وعادتهم، ثم ذكر أنه تحرم لمن يرثه أحد غير الزوجين بأكثر من الثلث لأجنبي أو لوارث بشي، وذكرنا الحديث:"لا وصية لوارث"فالوصية لا تصح لوارث، بل الوارث يكفيه ميراثه، الوارث يكفيه إرثه.

وأما الأجنبي فلا يصح إلا بالثلث فأقل، إذا أوصى لأجنبي، وكذلك إذا أوصى بأعمال البر فلا يزيد على الثلث، لكن إن أجاز الورثة الزيادة، أو أجازوا الوصية للوارث فلهم ذلك؛ لأن الحق لهم، وقد أسقطوه، فإذا قال: يا أولادي، أخوكم هذا قد خدمني ونفعني وأنتم مستقلون بأنفسكم، فإني أوصي له بالربع؛ لأنه انقطع في خدمتي، فسمحوا له في الحياة، ثم انتقضوه بعد الموت، وقالوا: لا نسمح هل يجوز؟ يجوز ذلك؛ لأن ملكه للوصية إنما يكون بعد الموت، وقبل الموت عطائهم وسماحهم له سماح قبل الملك، وما ملكوا الميراث ولا التركة إلا بعد الموت، فإذا سمحوا بعد الموت نفذ، وأما قبل الموت فلا يعتبر نفوذ، فلهم أن يرجعوا بعد الموت.

وكذلك لو أوصى بالنصف، وسمحوا قبل الموت، ثم انتقضوا بعد الموت، فلهم ذلك، أما إذا سمحوا بالنصف الذي أخرجه بعد الموت، فإنه ينفذ.

ثم"تصح الوصية موقوفة على الإجازة"، هذا معنى على الإجازة يعني: موقوفة على إجازة الورثة، فإذا قالوا بعد الموت: أبونا أوصى لك يا أخانا بمائة ألف أو أوصى لك بالربع، ونحن قد سمحنا قبل الموت، والآن -أيضا- نسمح بعد الموت أجازوا ما أوصى به أبوهم لأخيهم، يجوز ذلك.

كذلك -أيضا- إذا أوصى بأكثر من الثلث لأجنبي، قال: أعطوا أخي، وهو غير وارث، أو عمي أعطوه نصف المال، أو الخُمُسيْن، أو أعطو أعمامي، وإخواني خُمُس التركة سمحوا في حياته، ثم بعد الموت سمحوا، أجازوا ذلك، صحَّت الوصية، فالإجازة لا تكون إلا بعد الموت.

"وتكره من وصية فقير، وارثه محتاج"إذا كان ماله قليلا، وورثته فقراء فإن البر فيهم، وإن الأجر فيهم، فله أن يترك ماله القليل لورثته ليتعففوا، وليكفوا وجوههم عن الحاجة إلى الناس لقوله في الحديث:"خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"يتكففونهم يعني: يسألونهم، السائل عادة يمد كفه، ويقول: يا فلان، أعطني، يا فلان، تصدق علي، فيسمى هذا التسول يسمى تكففا بمعنى: أنه يمد كفه، هذا معنى يتكففون الناس؛ فلذلك إذا كان المال قليلا، والفقراء محتاجون، فالصدقة فيهم صدقة وصلة وبر، وإغناء لأولاده عن أن يحتاجوا، فهذا معنى قوله:"وارثه محتاج"، تكره وصيته إذا كان فقيرا، وورثته محتاجون.

ثم إذا لم يكن له وارث إلا بيت المال، فله أن يوصي بماله كله يعني: أنه، والحال هذه ليس هناك، وارثا يحتاجه يعني: لا يوجد له نسل منقطع ليس له أقارب، فأقاربه هم الذين يمسك الحق والمال لأجلهم، وأما إذا لم يكن له، وارث فله أن يتصدق بماله كله في الحياة، وله أن يوصي به كله في أعمال البر.

يقول"فإن لم يف الثلث بالوصايا تحاصوا فيه كمسائل العول"قد تقدم هذا قريبا في الفرق بين العطية والوصية، حيث ذكر أن العطية يبدأ فيها بالأول فالأول، وأما الوصية فإنهم يتحاصون فيها، تُقسَّم بينهم على قدر أنصبائهم إذا لم يف الثلث، نعيد مثال ذلك قلنا: إذا كان مريضا فقال في مرضه: أعطوا زيدا ألف، ثم قال بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت