فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 722

أعطاك شيئا زائدا علينا بغير سبب، فنحن لا نرضى، فيلزمك أن تأتي بما أعطاك وتضعه في التركة، ونقتسمه بالسوية. هذا قول لبعض العلماء، وله وجاهته؛ حتى لا يلحق أذى بأبيهم.

لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه جورا"لا أشهد على جور"لهذا -إذا أرادوا إبراء ذمة أبيهم- فإنه يلزمهم التسوية، فيرد ذلك الذي فضل على إخوته.

ثم في هذه المسألة شيء من التفصيل. فنقول: إنه قد يجوز التفضيل لبعض الأسباب، أو بعض المناسبات. فمن ذلك تزويج من بلغ منهم؛ لأن التزويج يعتبر كالنفقة، فإذا بلغ واحد زوجه، ثم بلغ الثاني وزوجه، فلا يلزمه أن يعطى الأصاغر مثل ذلك الكبير الذي زوجه. ولو كانت أمهم -مثلا- مطلقة، وهم تحت كفالتها، فلا تقول: أنت أعطيت ولدك هذا خمسين ألفا في زواجه؛ فأعط أولادي خمسين وخمسين يعني: كل واحد منهم.

عليه أن يقول: من بلغ منهم فإني أزوجه، وأما قبل البلوغ فلا يلزمني. فلو مات قبل أن يزوج بعضهم فليس لهم أن يأخذوا من التركة مقابل زواجهم، بل يقتسمون التركة ويتزوجون -إن شاءوا- من أنسبائهم.

ومن ذلك -في هذه الأزمة- إذا بلغ أحدهم من الذكور -مثلا- ثمانية عشر سنة احتاج إلى سيارة يتنقل عليها، وقد يكون له إخوة صغار، فيشتري له أبوه سيارة للدراسة وللتنقل، فهل يلزمه أن يعطي الصغار مثل قيمة هذه السيارة؟ وتقول أمهم: أعطهم. أعطيت ولدك الكبير، اشتريت له سيارة بخمسين ألفا، -مثلا- فأولادي هؤلاء عليك أن تعطيهم قيمتها -إذا بلغوا- ليشترونها؛ لأنك بذلك إذا لم تفعل، فقد فضلت بعضهم. لا يلزمه ذلك. وما ذاك إلا أن هذه السيارة للحاجة، فمتى بلغ الصغير اشترى له مثلها، وقبل البلوغ ليس بحاجة إليها، فهي كالزواج.

وهكذا -مثلا- إذا كان له بنات، واشترى لكل واحدة منهن حليا بعشرة آلاف، فهل يعطى الذكور مثلها؟ لا يلزمه؛ لأن هذا من تمام الزينة فلا يلزمه أن يعطى الذكور مثل ذلك. عندنا -مثلا- الكسوة تتفاوت، فهو يشتري كسوة أولاده الذكور، قد يكفيه كل شهرين أو كل أربعة أشهر خمسون ريالا كسوة، وأما الإناث فإن كسوتها قد تكون بمائتين. فلا يلزمه إذا اشترى كسوة الأنثى بمائتين أن يعطى الذكر تمام المائتين؛ لأن هذه كسوة وهذه كسوة، وقد أعطى كلا منهما كسوته وحاجته. فهذا التفاوت ليس يلزم التسوية فيه.

بعضهم -أيضا- إذا زوج ابنته، فبعضهن قد يجهزها -مثلا- بأربعين ألفا زيادة على المهر، وبعضهن لا يجهزها، يكفيها مهرها. فهل يلزمه لهذه التي ما أعطاها شيئا أن يعطيها مثل ما جهز أختها؟ لا يلزمه ذلك؛ لأن هذا التجهيز تستحقه. يشتري لها كسوة، يشتري لها حليا أو آواني أو ما أشبه ذلك، إذا كان الصداق الذي دفع لها قليلا، فزاده من عنده فلا يلزمه أن يعطي أخواتها مثل هذه الزيادة، سواء قبل الزواج أو وقت الزواج.

كذلك ذكروا أنه يجوز التفضيل -أيضا- لأسباب: منها إذا كان أحدهم معوقا فله أن يزيده وأن يتبرع له، كالمريض أو الضرير أو ما أشبه ذلك؛ لأنه بحاجة إلى الزيادة.

وكذلك لو أن أحدهم تفرغ لطلب العلم، والآخر اشتغل بطلب الدنيا، فهذا الذي اشتغل بطلب الدنيا حصل على مال، واشترى له سكنا وأسس سكنه، وطالب العلم منشغل بالطلب وبالتعلم، يستحق أنه يساعده في السكن، ويستحق -أيضا- أنه يساعده في الزواج أو في تأسيس السكن، ويقول: لإخوته أنتم استغنيتم، وأنا مطالب بمن لم يستغن كما أنكم -مثلا- استغنيتم، وانفرد كل واحد منكم في مسكن وصار ينفق على نفسه، وأنا أنفق على إخوتكم الأطفال، فلا يلزمني أن أعطيكم مثلهم. كذلك -أيضا- لا يلزمني أن أعطيكم مثل هذا الذي تفرغ للتعلم وانقطع للفقه في الدين، فليس يلزمه أن يعطي إخوته مثل ما أعطاه.

قد يقول: اشتغل بطلب العلم وأنا اشتري لك سيارة، وأنا أزوجك وأنا أسكنك وأنا أنفق عليك. فيقول: أنا لا أريد التعلم، ولكني اشتغل لنفسي. فيقول: إذا اشتغلت لنفسك واستغنيت، فلا يلزمنا لك أكثر من حاجتك. أغنيت نفسك فلا نعطيك شيئا، نعطي أخاك الذي تفرغ.

كذلك -أيضا- يقع أن بعض الأولاد ينقطع على والده، والآخر ينفصل، فهذا الذي انقطع عند والده يستحق أن يكافئه. كثير منهم يقول: أنا أشتغل مع والدي: أشتغل معه في تجارته، أشتغل معه في سقي حرثه، أشتغل في حرفته -يساعده في حرفته- أيا كانت إذا كان -مثلا- خياطا أو قصابا أو خرازا أو غسالا أو نحو ذلك. فأحد أولاده انفرد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت