فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 722

هذه الخمسة يخير فيها بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، له الخيار؛ للآية الكريمة، وهي قوله -تعالى-: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ذكرنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بينها في حديث كعب بن عجرة أنه قال:"هل تجد شاة؟ قال: لا. قال: فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أطعم فركا بين ستة مساكين"والفرك: مكيال يساوي ثلاثة أصواع. وأراد أن يطعمهم من التمر.

الفقهاء فرقوا بين البر وغيره، فقالوا: إذا أطعم من البر فإنه يكفي لكل مسكين مد، وأما من التمر والزبيب والشعير فإنه لا بد لكل مسكين من نصف صاع، ومثله -أيضا- الأطعمة الأخرى: كالأرز والدخن والذرة؛ نصف صاع منها، ومن البر مد أي: ربع الصاع، والاحتياط أن يجعله جميعا نصفا عن البر، أو غيره.

ولا يخرج القيمة، لو قال -مثلا-: القيمة أنفع للفقراء، فيقال له: النص ورد بالإطعام، فيخرجها من الطعام، ولا يخرجها من الحرم، بل لمساكين الحرم؛ تفرق على مساكين الحرم، المراد بهم: السكان الذين بمكة.

أما جزاء الصيد؛ جزاء الصيد يخير بين إخراج المثل إذا كان مثليا، أو تقويمه بالدراهم؛ يشتري بها طعاما يجزئ فيه فطرة، فيطعم عن كل مسكين مد بر، أو نصف من صاع من غيره، أو يصوم عن كل إطعام مسكين يوما، هذا أول، وبين إطعام، أو صيام في غير مثله.

فالله -تعالى- جعل له الخيار في قوله: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ} هذا الأول {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} ثم قال: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} ثم قال: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} هذه الآية في سورة المائدة؛ ذكر الله -تعالى- فيها جزاء الصيد. لما ذكر أنه محرم.

ثم ذكر أنه بعد الإحلال يباح صيده؛ لقوله -تعالى-: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} وبقوله -تعالى-: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} ثم عرفنا أن جزاء الصيد، إما أن يكون مثليا فإذا كان له مثل فإنه يقومه بدراهم، فيشتري بها طعاما يجزئ في الفطرة، فيطعم عن كل مسكين مد بر، أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن كل مسكين يوما، أو يخرج المثل ويذبحه، ويطعمه المساكين.

مثال ذلك: قالوا: إذا ذبح -مثلا- أرنب؛ الأرنب فيها عناق، العناق: هي السخلة التي عمرها -مثلا- ثلاثة أشهر، أو أربعة، فنقول له: إما أن تذبح العناق وتطعمها للمساكين، أو تقدر ثمنها، قدرنا أن ثمنها -مثلا- خمسون ريالا فيشتري بخمسين الريال طعام من البر، أو من الأرز، وتعطي كل مسكين مدا من البر، أو نصف صاع من غيره، فإذا شق ذلك عليك، واخترت الصيام فإننا نقدر كم قيمة العناق هذه؟ قيمتها خمسون ريالا. كم تساوي من البر، أو من الأرز؟ مثلا تساوي من الأرز -مثلا- خمسة آصع، الخمسة آصع، يعني: طعام عشرة مساكين تصوم عشرة أيام.

وهكذا لو كثر الصيام إذا قدرنا -مثلا- أن عليه بدنة إذا قتل نعامة، فالنعامة فيها بدنة؛ يذبح بدنة، أو نقدر قيمتها -مثلا- قيمتها ثلاثمائة ريال، الثلاثمائة ريال يشتري بها من الأرز، ثم يطعمه كل مسكينا له نصف صاع من الأرز، نقدر أن قيمة الصاع خمسة، فلكل مسكين نصف صاع، وإذا عجز يصوم عن طعام كل مسكين يوما، ولو كثرت الأيام. أما إذا لم يكن مثليا، يعني: لم يكن مما له مثل؛ لأن الله -تعالى- يقول: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} فإنه يخير بين الإطعام والصيام، يعني: بين أن تقدر قيمته فيصوم، أو يشتري بها طعاما، فإذا هذا بالنسبة إلى جزاء الصيد.

بالنسبة إلى المتمتع والقارن عليه -أيضا- فدية؛ المتمتع: هو الذي أحرم بالعمرة، ثم فرغ منها، ثم أحرم بالحج. والقارن: هو الذي أحرم بالحج والعمرة -كما تقدم- عليه الهدي؛ لقوله -تعالى-: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} الهدي واحدة من الغنم، أو سبع بدنه، أو سبع بقرة، فإذا لم يجد الهدي قال -تعالى-: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} الثلاثة التي في الحج يندب أن يصومها وهو محرم، أو بقي عليه بقايا الإحرام، فيحرم -مثلا- اليوم السابع، فيصوم السابع والثامن والتاسع حتى يفرغ منها قبل يوم النحر، هذا الأفضل أن يجعل آخرها يوم عرفة، فإن لم يتيسر صامها بعد العيد؛ الثلاثة بعد العيد: الحادي عشرة والثاني عشرة والثالث عشر.

أجاز بعض العلماء أن يصومها بين الحج والعمرة، فلو قدر -مثلا- أنه انتهى من العمرة في اليوم الثالث، ولا يحرم بالحج إلا في يوم التروية، فصامها في اليوم الرابع والخامس والسادس أجزأته؛ لأنه صامها في زمن الحج، وصامها في مكان الحج. السبعة إذا رجع يندب أن يبادر إليها، ولا يتأخر، يصومها مباشرة دون أن يؤخرها. هذا الصواب.

المحصَّر إذا لم يجد الهدي صام عشرة أيام ثم حلّ. المحصر؛ قال الله -تعالى-: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} لما أحصر الصحابة -رضي الله عنهم- في الحديبية مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني: نعهم أهل مكة من إتمام عمرتهم، ذبحوا هديهم بالحديبية، وتحللوا، فكذلك إذا أحصر الإنسان.

الإحصار يكون بعدو يصده عن إكمال نسكه، أو بمرض كما لو سقط مثلا، أو حصل عليه حادث فتكسر، ولم يستطع إكمال حجه، أو إتمام عمرته يذبح عنه هدي كشاة، ثم يتحلل، فإن لم يجد بقي محرما حتى يصوم عشرة أيام؛ لأن الله جعل صيام العشرة أيام قائما مقام الحج، فيصوم في إحرامه عشرة أيام، ثم بعد ذلك يتحلل، إلا إذا كان قد اشترط:"إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني"وإذا منعه الأطباء كثيرا ما يدخل المستشفى ويمنعونه من الصيام، وقد لا يجد الهدي، ففي هذه الحال يجوز له أن يتحلل وينوي الصيام بعدما يستطيع.

ذكر أنه يسقط بالنسيان فدية اللبس، والطيب، وتغطية الرأس، والصحيح: أنه يسقط -أيضا- بالنسيان فدية الحلق، وفدية التقليم.

الفقهاء الذين لم يسقطوها عللوا بأنها إتلاف، والصحيح: أنها لا فرق بين إتلاف وغيره، يقول:"كل هدي، أو إطعام فلمساكين الحرم إلا فدية الأذى واللبس ونحوهما بحيث وجد سببها".

الهدي الذي ذكرنا؛ ذكروا أنه أربعة أنواع:

الأول: هدي التطوع: كأن يهدي معه شيئا من ماله، كما أهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة بدنة فهذا يجوز أن يأكل منه، ولكن الأصل أنه يطعمه المساكين؛ قال -تعالى-: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} .

الثاني: هدي التمتع والقران: وهذا -أيضا- ملحق بهدي التطوع، له أن يأكل منه، ويطعم رفقته، ويطعم المساكين.

الثالث: جزاء الصيد: هذا لا يأكل منه، بل يطعمه كله للمساكين، وكذلك -أيضا- فدية المحظور؛ فدية المحظور إذا فعل محظورا، واختار أن يطعم، أو اختار أن يذبح فإنها لمساكين الحرم، ولا يأكل منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت