ذكرنا أن أفلح أخا أبي القعيس قال لعائشة: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، فهذا مثال الأخ، وكذلك الأب والجد، بنات أبيك عماتك من النسب، بناته من الرضاع كذلك، عماتك من الرضاع، إذا أرضعت امرأة أبيك طفلة، فهو أخوك أو أختك، امرأة جدك أليس بناتها عمات أبيك، فكذلك بنات امرأة جدك بناتها أخوات أبيك عماتك، فبناتها من الرضاع كذلك أيضًا عماتك، عماتك من الرضاع، ربيبك الذي هو ابن زوجتك ابنته أيضًا محرم لك؛ لأنها تقول: جدتي زوجتك.
يقول:"ومن قال: إن زوجته أخته من الرضاع بطل نكاحه"إذا اعترف لامرأة، وقال: هذه أختي من الرضاع، فلا يحل له نكاحها، وكذلك إذا كان قد تزوجها بطل النكاح؛ وذلك لأنه أقر على نفسه بأنها لا تحل له، اعترف بأنها أخته من الرضاع، أما لو قال: أنت أختي ويريد بذلك أخوة الصداقة والمودة والمحبة، فلا يبطل نكاحه كثيرًا ما يقول الإنسان لزوجته: يا أمي، يا أختي، يا بنتي يريد بذلك في المودة، فلا يبطل نكاحه، وأما إذا قال: هذه أختي من الرضاع بطل نكاحه، إذا كان ذلك قبل الدخول، وقالت: صدق أنا أخته من الرضاع بطل النكاح، هل لها مهر؟ ليس لها مهر؛ لأنه يقرُّ بأنها محرمة عليه، وهي كذلك تقر بذلك، والعقد قد بطل فلا تستحق عليه صداقًا، أما إذا قالت: ليس كذلك لا قرابة بيننا، وأنت كاذب، ولست أختك في هذه الحال يفرق بينهما؛ لأنه اعتراف بأنها لا تحل له، ولكن تطالبه بنصف الصداق قبل الدخول، يعني أنها تعترف بأنها حلال له، والعقد قد حصل، قد حصل أنه عقد عليها، وفارقها قبل الدخول، فهي تكون فرقته كأنها طلاق، والله تعالى يقول: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [1] فلها نصفه، أما إذا كان قد دخل بها، وسواء وطئها أم لا، ففي هذه الحال تستحق الصداق كله، إذا كانت قد كذبت أنه أخوها، قالت: لست أختك ولا قرابة بيننا.
إذا قالت هي ذلك، قالت: أنا لا أحل لك، أنا أختك من الرضاعة وكذبها، فهل نفرق بينهما؟ لا يفرَّق بينهما، فما ذاك إلا أنا لا نقبل قولها عليه، يمكن أنها أخطأت، فقولها كأنها تريد فراقا، والفرقة من قبل الرجل، لا من قبل المرأة، فتبقى الزوجية بينهما، لكن إن أتت ببينة تشهد بأنه رضع من أمها أو رضعت من أمه، فإنه يفرق بينهما بموجب البينة.
عندنا من شك في الرضاع، أو شك في عدده بنى علي اليقين؛ لأن الأصل الإباحة، والأصل عدم الرضاعة، صورة ذلك إذا قالت المرأة: أنا أشك، أنا في شك: هل أرضعت هذا الطفل أو ما أرضعته، توقفت عن الجزم، ففي هذه الحال لا محرمية، لا يقال بشيء مشكوك فيه، وإذا ادعت قالت: نعم، أنا أرضعته، ولكني لا أدري نسيت مع طول الزمان، لا أدري أرضعته رضعة أو رضعتين أو ثلاثا أو عشرا، أتذكر أني رضعته، ولكني أشك في عدد الرضعات، ولم يكن هناك علامات ولا قرائن يعرف بها عدد الرضعات، ففي هذه الحال لا محرمية، ثم يفرقون بين رضاع الصغير والكبير. العادة أنَّ الصغير الذي في الأربعين أو في الشهرين الأولين رضاعه قليل، ونفسه قصير، ففي المجلس الواحد يمكن أن يمسك الثدي خمس مرات أو أكثر فإذا قالت: نعم، أنا أرضعته جلسة أو جلستين، استغرقت ساعة أو ساعتين، وهو في الشهر الأول، كلما بكى أرضعته.
في هذه الحال يغلب على الظن أنه محرم، فنحتاط، ونقول: محرم؛ لأن الطفل يعدد الرضعات، يرضع عدة رضعات في الجلسة الواحدة إذا كان في الشهر الأول أو نحوه.
وأما إذا كان في السنة الأولى مثلًا ابن خمسة أشهر أو أكبر منها فالعادة أنه يطيل الامتصاص، إذا أمسك الثدي فإنه لا يتركه حتى يشبع، أو حتى يفرغ ما في الثدي من اللبن، فإذا قالت: أنا أرضعته جلستين وعمره ستة أشهر، فالأصل أنها رضعتان لا أكثر.
يمكن أنها أربع رضعات كل جلسة ترضعه من هذا الثدي، وإذا انتهى ما فيه نقلته إلى الثاني، فتكون أربعا في الجلستين، والأربع أيضًا لا تحرم، وكذلك أيضًا كثير من النساء تقول: إني أرضعه، ولكن لمناسبات يحصل هذا عند البوادي تقول: إن أمه تذهب لرعي الغنم أو لحلب غنمها أو نحو ذلك، وتتركه يبكي، وأرق عليه، فألقمه ثديي، وإذا ألقمته ارتضع منه إلى أن يسكت، أو إلى أن ينام، أو حتى ترجع أمه عدة مرات، ففي هذه الحال يغلب على
(1) - سورة البقرة آية: 237.