المعاهدين ومن أهل الجزيرة من الذميين ينتقض بذلك عهده، وأنه لتظاهره بهذا السب يجب قتله، وأورد أدلة كثيرة.
في أول الكتاب ذكر قصة رجل كان عنده جارية مملوكة ولكنها كانت كافرة، وكان قد تَسَرَّاها وولدت له ولدين، ولكنها كانت تسب النبي - صلى الله عليه وسلم - فعند ذلك قتلها، فلما قتلها ذكر ذلك لعمر بن الخطاب فمدحه على قتلها؛ لأنها تسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك كثير.
يقول:"أو تكررت ردته"أي: لا تقبل توبة من تكررت ردته وذلك؛ لأن تكررها يدل على ملء قلبه بالكفر، فإذا تكلم -مثلا- بالكفر ثم بعد ذلك اسْتُتِيبَ فتاب, ثم ذكر عنه أو ثبت عنه أنه تكلم بكلمة كفر أو سخرية, ثم استتيب فتاب ثم عاد مرة ثالثة, عُرف بذلك أنه مرتد، وأن قلبه مليء بالنفاق مليء بالكفر فلا يُقبل منه الرجوع ولا تُقبل منه التوبة.
"ولا تقبل توبة المنافق ويسمى الزنديق"الذي يقول بلسانه ما ليس في قلبه إذا عرف بأنه يميل مع الكفار، وأنهم {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [1] وأنهم يتربصون بالمؤمنين الدوائر: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [2] فمثل هؤلاء ظاهرهم مع المؤمنين وباطنهم مع الكفار.
فمثل هؤلاء زنادقة لا تقبل توبتهم, وكذلك إذا استمروا على ذلك. فالعادة أن دياناتهم وأعمالهم لا تتغير سيما إذا طعن أحدهم في السِّن، ذكر أن أحد الزنادقة أُحضر عند المهدي، وقرره فثبت عنده أنه زنديق فقتله -أمر بقتله- فقال ذلك المنافق أو الزنديق: هَبْ أنك قتلتني كيف تصنع بأربعة آلاف حديث كذَبْتُها على نبيكم؟ فقال: تعيشُ لها نُقَّادُها, يعني: إن الله -تعالى- حفظ دينه فهناك من ينتقدها، ومن يبينها ومن يحذر منها.
وأُحضر إليه رجل أديب ولكنه متهم -أيضا- بالزندقة فاستتابه، وأظهر التوبة, ولما عفا عنه تذكر بيتين له فرده، وقتله بسببهما, وهما قوله:
وإن من أدَّبْتَه في الصِّبَا ... كالزرع يُسقى الماء في غَرْسهِ
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يُوَارَى في ثَرَى رَمْسِه
إذا ارْعَوى عاد إلى جهله ... كذي الضَّنَى عاد إلى نُكْسِه
فقال: أنت شيخ -يعني: كبير- فلا تترك أخلاقك! اعترفت على نفسك، والشيخ لا يترك أخلاقه -يعني: كبير السن- حتى يوارى في ثرى رمسه, يعني: حتى يدفن, إذا ارعوى عاد إلى جهله كذي الضنى يعني: إنْ مرض عاد إلى نكسه, فقتله على الزندقة بهذه الأبيات.
"ولا تُقبل توبة الساحر وذلك لأنه يخفي عمله؛ ولأنه ورد أن قتله حد"حد الساحر ضربه بالسيف، والصحابة قتلوا بدون استتابة, تذكرون حديث بجالة قالوا: جاءنا كتاب عمر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحرز
(1) - سورة البقرة آية: 14.
(2) - سورة النساء آية: 141.