فهرس الكتاب

الصفحة 690 من 722

وبذلك تعرف أن أمر الردة أمر خطير، وأنه يدخل فيه كل من يستهزئ بشيء من الشريعة، وأنهم سوف يعذبون في الآخرة, اقرأ قول الله -تعالى- في سورة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) } [1] قال الله -تعالى-: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) } [2] اتخذتموهم لما أنهم كانوا يدعون ويتعبدون {وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا} [3] .

فيحذر المسلم أن يقع في الردة وهو لا يشعر, يستعمل مثل هذه الكلمات التي خطرها كبير فيقع في تنقص الدين أو تنقص المؤمنين؛ لأجل إيمانهم ولأجل عقيدتهم ولأجل علومهم الشرعية -فيهلك ويحبط عمله وهو لا يشعر, يتساهل بكلمة يقولها، وقد يقولها مازحا وقد يقولها ضاحكا. ولا يعلم أنها تُتْلِفُه وأنها تهلك عليه أمر دينه ودنياه, وأنه أهلٌ بذلك أن يُقام عليه حد الردة. توبة المرتد

يقول:"إذا فعل ذلك كفر، فيستتاب ثلاثة أيام فإن لم يتب قتل"لا شك أنه إذا عرض على السيف وقيل: إنا سنقتلك سيُظهر التوبة، ويظهر الندم خوفا من القتل، ولكن إذا عُرف بأن توبته توبة الكذابين فلا يقبل منه.

ذكر أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال:"عَسى الغُوَيْرُ أبْؤُسًا"مثل مضروب يعني: ماذا عندك من الأخبار؟ فقال: رجل ارتد بعد إيمانه فقتلناه، فقال عمر - رضي الله عنه - هلاّ استتبتموه ثلاثة أيام، ومنعتم عنه الطعام والشراب لعله أن يتوب؟! اللهم إني أبرأ إليك مما فعلوا.

أخذوا من هذا أنه لا بد أن يُستتاب يُحبس ويجوَّع ويُضيَّق عليه، ويقال: إن لم تتب قتلناك، فإذا أصر ثلاثة أيام وهو يُهدد وقال: لا أتوب ولا أتغير ولا أتبدل فإنه -والحال هذه- يُقتل، وإذا قتل فإنه يقتل كافرا, وحينئذ لا يرثه أقاربه المسلمون، ولا يورث ماله يكون فيئا لبيت المال، ولا يُصلَّى عليه إذا قتل على ذلك، ولا يدفن في مقابر المسلمين, بل يدفن بعيدا, يوارى إذا لم يجد من يواريه.

ثم يقول:"فلا تقبل ظاهرا -يعني- التوبة ممن سب الله أو رسوله؛ لأن السب هذا يكون عقيدة، دليل على أنها عقيدة في قلبه فحينئذ لا تقبل توبته، ولو قال: إني أتوب؛ وذلك لأن هذا دليل على أن قلبه مطمئن بالكفر؛ لأنه هكذا شأنه كالمنافقين الذين {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [4] ."

ذكر أن يهوديا في الشام في حدود سنة عشرين وسبعمائة أخذ يسب النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقول: إنه كذاب وإنه مفتر، وإنه ... ، وإنه ... فلما ظهر من أمره هذا السب المعلن غضب عليه العلماء, منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وكتب كتابه المشهور.

ولعلكم أو بعضكم قرأتموه"الصارم المسلول على شاتم الرسول"، وأورد فيه الأدلة وأطال فيه وبسط فيه الكلام، وخلاصة كلامه أنه لا تقبل توبة مثل هذا، ولو ادعى التوبة، وأنه بذلك ينتقض عهده؛ لأنه كان من

(1) - سورة المؤمنون آية: 1.

(2) - سورة المؤمنون آية: 108 - 110.

(3) - سورة المؤمنون آية: 110 - 111.

(4) - سورة الفتح آية: 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت