فهرس الكتاب

الصفحة 688 من 722

فلو حرّم مثلا أكل الخبوز، التي هي من كسب طيب، أو أباح أخذ الرشوة، أو أباح قتل المسلم بغير حق، أو ما أشبه ذلك. ذكرنا أن بعضهم أوصلها إلى مائة من الخصال التي يكفر بها.

يكثر الاستهتار بأحكام الإسلام، أن كثيرا من ضعاف الإيمان يضحكون من المؤمنين، ويسخرون منهم، وهذه السخرية لا شك أنها ذنب كبير، قد يوقع في الكفر وفي الردة. تذكرون قصة الساخرين، الذين حكم الله تعالى بردتهم -في غزوة تبوك- لما قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء! -يعنون النبي- صلى الله عليه وسلم- والقراء الذين معه- ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء! أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء. كذبوا، ليسو أرغب بطونا، ليس همهم بطونهم، ولا همهم فروجهم.

وحدث قبل أربعين سنة، أو ثلاث وأربعين، أن اليهود نشروا نشرة في بعض صحفهم، ثم التقطها أيضا أتباع لهم من أهل مصر ونشروها، ما هي تلك النشرة؟ صوروا صورة ديك، وكتبوا تحته بخط عريض:"ده محمد أفندي، اللي متجوز تسع". هكذا تجرءوا هذه الجرأة، صوروا النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة ديك، وادعوا أنه ليس له هم إلا فرجه، أنه من أجل شهوته تزوج تسعا.

لما نشرت هذه النشرة، التقفها بعض المصريين ونشروها، كأنهم مقرون لها، ثم رد عليهم أحد علماء مصر، واستبشع قولهم، وكتب الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- رسالةً ردًا عليهم -على هذه المقالة- وردا على جمال، في قوله بالاشتراكية في تلك السنين، حيث أمَّمَ كثيرا من الأموال، وانتزعها وقال: إن الناس شركاء. عنوان رسالة الشيخ -رحمه الله- ...

فتكلم على تلك الصورة, والذين أقروهم من المصريين, واستبشع مقالتهم وجعل هذا ردة عن الإسلام، ثم تكلم -أيضا- عن"الاشتراكية"فمثل هذه الكلمة تعتبر ردة.

ونقولك إن كثيرا يتهاونون بمثل هذه الكلمات, وقد عدها الله -تعالى- من أسباب الارتداد والعياذ بالله، قال الله -تعالى- في سورة البقرة: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا} [1] السخرية من الذين آمنوا تعتبر كفرا؛ لأنهم إذا سخروا منهم فكأنهم يسخرون من دينهم الذي يفتخرون به.

وقال -تعالى- في قصة الذين في غزوة تبوك: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا} [2] فكفَّرهم بهذا الأمر، {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [3] دل على إنهم كانوا آمنوا، وأن هذه الكلمة ارتدوا بها وأصبحوا كافرين.

وقال -تعالى- أيضا في سورة التوبة: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [4] هكذا عادة الكفار أنهم يسخرون من المؤمنين كما قال الله -تعالى- في قصة نوح: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) } [5] يعني: أنهم يسخرون من نوح وصناعته للسفينة، ولكن هكذا قال لهم.

فأنت مثلا إذا جاءك من يسخر بك تقول: إن تسخر منا فإننا نسخر منكم، فالذين -مثلا- يسخرون من اللحية ... ابتلي كثير بمعاداة اللِّحى، وصاروا يسخرون من الذين يربونها فيلمزونهم: كأنها ذَنَبُ تَيْسٍ، كأنها عارض على جائر، كأنها مكنسة بلدية. هذا سخرية من السنة، قل لهم: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) } [6] ؛ لأن هذا استهزاء بالسنة، السنة النبوية التي جاءت بهذا الأمر لا شك أن هذا سخرية بالشرع والشريعة فيلحق بالمرتدين -والعياذ بالله-.

وقد سماهم الله -تعالى- المجرمين، تقرءون قول الله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) } [7] ... إلى آخر السورة، يعني: أنهم يتنقصونهم ويقولون: هؤلاء مساكين! أضاعوا حياتهم بتعلم هذه الأبواب: تعلم صلاة وتعلم طهارة، وتعلم صيام، فاتهم السبق, فاتهم التقدم، الناس وصلوا إلى الأفلاك العليا، وصلوا إلى القمر، وصنعوا الذرة, ... ونحو ذلك.

وأما هؤلاء فإنهم أضاعوا أعمارهم، يتعلمون: باب التيمم، باب الخير أو باب إزالة النجاسة أو باب كذا وكذا!! فلم يستفيدوا إلا هذه العلوم التي نقصت على أعمارهم, وضيعت عليهم تقدمهم، أليس هذا سخرية؟!.

نعم إنه سخرية بعلوم الشريعة, وإنهم وإنْ تعلموا ما يقولون فإنه قد فاتهم الخير الكثير، وكذلك -أيضا- الذين يسخرون أو يتنقصون أهل الأعمال الصالحة، أهل الذكر والتسبيح وقراءة القرآن، وعمارة المساجد والاعتكاف بها، ويقولون: هؤلاء رجعيون! هؤلاء متأخرون! هؤلاء متخلفون! لا شك أن مثل هذا -أيضا- يعتبر كفرا ابتلي به كثير من الناس، يقول فيهم بعض المعاصرين:

خفافيش هذا الوقت كان لها ضررْ ... وأوباشها بين الورى شرها ظهرْ

يعيبون أهل الدِّين من جهلهم بهم ... كما عابت الكفار من جاءهم بالنذرْ

يقولون: رجعيون لما تمسكوا ... بنص من الوحيين كان له أثر

وإعفائهم تلك اللِّحى لجمالها ... وترك سواد حين كان به ضرر

وحملهم تلك العصي لأنها ... لديهم حناقات ومسواك مطهر

يعيبونهم حتى بالمسواك! مع أنهم جعلوا بدل المسواك السُّني، جعلوا بدله السجائر -والعياذ بالله- فيفخرون بالسجائر, إذا ولع أحدهم سيجارته أخذ يتمايل، وأخذ يفتخر, وإذا رأى من أمسك سواكا أخذ يلوك به أخذ يتَنَقَّصه ويعيبه, فمثل هؤلاء يعتبرون مرتدين إذا كانوا يستبيحون مثل هذا.

(1) - سورة البقرة آية: 212.

(2) - سورة التوبة آية: 65 - 66.

(3) - سورة التوبة آية: 66.

(4) - سورة التوبة آية: 79.

(5) - سورة هود آية: 38.

(6) - سورة هود آية: 38.

(7) - سورة المطففين آية: 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت