فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 722

أنزل الله -تعالى- فيهم قوله -تعالى-: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} وقوله قبل ذلك: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} فأمرهم أن يأتوا بالتوراة، فوجدوا فيها آية الرجم، فأمر بأن يرجموا.

في القرآن قوله -تعالى-: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} ثم قال بعد ذلك: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} قيل: إن الآية الأخيرة منسوخة بالأولى، وأن الحكم فيهم أنه مخير، وهذا هو قول أكثر العلماء، أننا مخيرون أن نحكم بينهم، أو أن نتركهم وقيل العكس، أن الأولى هي المنسوخة، وأن الأخيرة هي المحكمة {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} .

والحاصل أننا إذا حكمنا بينهم، وحكمنا بينهم بشرعنا، ولم نحكم بينهم بقوانينهم الوضعية، بل نختار الحكم الذي هو حكم الله -تعالى- في النفس يعني: كالقصاص، والعرض كالزنا، والمال كالسرقة، أي إذا قتلوا اقتص منهم، أو دفعت الدية كما في الحكم الإسلامي، أو العرض إذا زنا أحد منهم جلد، إن كان بكرا، ورجم إن كان ثيبا، وكذلك -أيضا- حد القذف نحكم فيهم بحكمنا فيما بيننا، كذلك المال يحكم فيهم بحكم السرقة -مثلا- والنهب والاختلاس وقطع الطريق، وما أشبه ذلك.

كذلك -أيضا- معلوم أنهم يقيمون فيما بين المسلمين، لكن قد عرفنا أنه يؤخذ عليهم العهد أن يكونوا متميزين عن المسلمين، وقد كتب عليهم عمر - رضي الله عنه - كتابا طويلا لما تعهدوا له ببذل الجزية أورده ابن كثير عند تفسير قوله -تعالى-: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} في سورة التوبة، ورواه البيهقي في سننه الكبرى في التزامهم على أنفسهم، أننا نلتزم على أنفسنا بألا نركب خيول المسلمين، وبألا نلبس لباسهم، وبألا نتشبه بهم، وبأن نتميز عنهم في شعورنا، وفي معاملاتنا، وفي أعمالنا، وبأن نكون على حال لا يكون عليها المسلمون، وكذلك أن نتميز بشد أوساطنا بالزنار الذي يتميزون به، وحز مقدم رءوسنا الذي هو قص الناصية علامة عليهم.

فكانوا يجعلون لهم علامة يتميزون بها عن المسلمين، حتى إذا رآهم المسلمون عرفوا أنهم ليسوا مسلمين، فعاملوهم المعاملة التي أمروا بها، فمن ذلك أنهم لا يبدءون بالسلام قال - صلى الله عليه وسلم -"لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذ لقيتموهم في طريق، فاضطروهم إلى أضيقه"وأمرنا إذا سلموا علينا أن نقول: وعليكم، لا نقول عليكم السلام؛ وذلك لأنه كانوا يقولون: السام عليكم، فأمرنا بأن نقول: وعليكم، ثم لو تحققنا أنهم يسلمون، أن النصراني -مثلا- يقول: السلام عليكم، لا يقول: السام، فإننا نرد عليهم بما أمرنا به، بأن نقول: السام عليكم، أو وعليكم.

وأما اضطرارهم إلى أضيق الطريق، فإن الحكم فيه أن يشعروا بالهوان، إذا دخلوا في الطريق، وكان ضيقا، كان لهم حافة الطريق، وللمسلمين وسط الطريق؛ ليشعروا بأنهم أذلة، هذا من جملة إذلالهم، وإهانتهم.

وكذلك -أيضا- مما يتميزون به أنهم لا يركبون الخيل، بل يركبون البراذين، البرذون: قد عرفنا أنه ليس أبواه، أو أحد من أبويه عربي، ويركبون البغال، البغل: هو الذي أحد أبويه من الحمر، يركبون الحمر، هذا في الوقت الذي كانت الخيول تركب، وركوبها يعتبر زينة؛ لأن الخيل كانت تركب لأجل الزينة، جعلها الله -تعالى- زينة في قوله: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) } .

ولكن إذا تعطلت كما في هذه الأزمنة، واستبدلت بمراكب جديدة من هذه المراكب الحديدية؛ فإنهم -أيضا- يلزمهم أن يتميزوا في مراكبهم كما أنهم يتميزون في عملهم ذكرنا أنه كان يلزمهم أن يقصوا مقدم الناصية؛ حتى يعرف أن هذا ذميا، وأنهم يتميزون -أيضا- بأن يشدوا على أوساطهم الزنار الذي يعرفون به، أنهم ليسوا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت