المسلمين، وكذلك -أيضا- في ركوب الخيل ونحوها يقال: إذا كانوا من أهل الذمة، فلا يركبون السيارات الفارهة، بل يركبون سيارات دنيئة، أو رخيصة، أو نحو ذلك حتى يعرفوا بذلك، ويمنعون -أيضا- من استعمال السرج.
السرج الذي يكون على الخيل لا يركبون عليه، بل يركبون على الإكار الإكار البردعة التي تبسط على ظهر البرذون، أو نحوه لتقي الراكب، فيركبون ببردعة بدون سرج، وبإكار، وما أشبه ذلك.
ثم الأصل أنهم يتميزون بهذه السمات؛ حتى يهانوا يكونون مهانين أذلة، هذا سبب تميزهم فلأصل ذلك يقال لهم: لا تتشبهوا بالمسلمين، بل تميزوا تميزا ظاهرا، ولكن الواقع في هذه الأزمنة أن المسلمين هم الذين يتشبهون بهم، وإن كانوا يتميزون غالبا بحلق اللحى، فحلق اللحى كان ميزة لهم يعني: بالأخص للمجوس، وللفرنج ونحوهم، أما دعاتهم وعبادهم، فإنهم يرون أن اللحى من شعار المسلمين، ولا يحلقونها، فجاء هؤلاء المتأخرون فحلقوها وصار حلقها شعارا لهم، وقلدهم الكثير من المسلمين، واعتقدوا أن هذا، أو هذا التشبه، وهذا التقليد رفعة ورقي وشرف، فهذا من المصائب يعني: كونهم يقال لهم: لا تتشبهوا بالمسلمين، ثم نرى أن المسلمين هم الذين يتشبهون بهم في هذا اللباس، أو في هذه الأخلاق.
وذكر المسند عن العلماء: وأنه لا يجوز أن يحترم هؤلاء الذميون، بل يهانون، فلا يجوز أن يجلسوا في صدور المجلس بل إذا دخلوا مجلسا، فإن لهم أطرافه لا يكونون بوسط المجالس، أو في صدورها؛ ليشعروا بالإهانة، ولا يجوز القيام لهم إذا قدم واحد منهم، ولو كان عالما كما يسمونه، أو مفكرا، أو مخترعا، أو له مكانة، فلا يجوز القيام له.
ولا يجوز أن يبدءوا بالسلام لما ذكر من الأحاديث، ويمنعون من بناية معابدهم في بلاد المسلمين، فلا يبنون الكنائس، ولا البيع، ولا الصوامع التي يتعبد فيها رهبانهم، يمنعون من إحداث الكنائس والبيع ونحوها، وإذا انهدمت فلا يجددونها، وإذا كانت موجودة في وقت عقد الذمة فلا نهدمها، ولكن متى انهدمت فيما بعد ذلك، فلا يجوز أن تجدد؛ ذلك لأنهم أصبحوا في بلاد استولى عليها المسلمون، ولا يرفعون مساكنهم فوق مساكن المسلمين، بل تكون مساكنهم لاطئة، إما مساوية لمباني المسلمين، أو دونها.
كيف ينتقض عهد أحدهم؟ متى ينتقض عهد الذمي؟ إذا تعدى على مسلم بضرب، أو بقتل، أو زنا بمسلمة، أو نحو ذلك انتقض عهده، فقد وقع في عهد عمر - رضي الله عنه - أن ذميا كان يسوق بامرأة راكبة على حمار، ثم إنه تحين غفلة الناس، وحاول أنها تسقط فسقطت من الحمار، وحاول أن يفجر بها حتى جاء من أنقذها، فقال عمر - رضي الله عنه - ما على هذا عاهدناكم، فأمر بقتله؛ لأن هذا يعتبر نقضا للعهد. بطريق الأولى إذا قتل مسلما، أو مسلمة، في حديث اليهودي الذي رض رأس الجارية بين حجرين، فرض رأسه بين حجرين، كذلك إذا ذكر الله -تعالى- بسوء، وإذا سب القرآن، أو سب الله -تعالى- أو سب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو سب الإسلام، أو تنقص الإسلام تنقصا ظاهرا، فلا شك أن مثل هذا كله يعتبر اعتداء، ويعتبر نقضا للعهد فينتقض عهده، فيخير الإمام فيه كما يخير في الأسير الحربي، فإما أن يجعله رقيقا يسترقه، وإما أن يأسره ويكون أسيرا، وإما أن يقتله. الأسراء يخير فيهم؛ قال -تعالى-: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} وإذا أسروا من الحربيين أسارى، أو من الذين انتقض عهدهم بمثل هذه الأعمال، فكيف يفعل بهم؟ يخير الإمام فيهم، فإما أن يقتلهم؛ وذلك لأنهم يعتبرون قد استحقوا القتل لنقضهم العهد، أو بالاستيلاء عليهم مما غنم المسلمون، وأسروهم وسيما إذا كان لهم مكانة في قومهم يأمر بقتلهم، أو يفادي بهم أسرى المسلمين.
يرسل إلى الكفار فيقول: أطلقوا أسرانا، ونطلق أسراكم، أو نعطيكم من الأسرى على أن تخلوا أسرانا حتى، ولو كان الأسرى من غيرهم، قد يكون -مثلا- الأسرى الذي عند المسلمين من اليهود، وأسرى المسلمين عند النصارى، فيكون الفداء بمعنى: أن نعطيهم أسارى على أن يخلوا الأسارى الذين عندهم يخلوا سبيلهم، أو تؤخذ الفدية التي هي فدية مال يبذلونه لفك أسراهم، كما حصل من الفداء الذي دفعه كفار مكة في فداء أسراهم يعني: أنه يخير فيهم بين أربعة أشياء، إما أن يفادي بهم أسارى المسلمين، وإما أن يفادي بهم غير المسلمين، يعني: أو أسارى لمن هم عندهم أسرى للمسلمين، وإما أن يسترقهم، وإما أن يقتلهم، وإما أن يمن عليهم، وإما أن يأخذ بدلهم مالا.