والحالة الثالثة: إذا داهمهم العدو، والدليل على الأول قول الله -تعالى-: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} إذا لقيتموهم، فاثبتوا وقوله -تعالى- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) } فهذا دليل على أن من حضر الصف، وجب عليه الصبر، ووجب عليه القتال، وصار في حقه فرض عين.
أما النفير: فدليله قوله -تعالى-: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} فإذا دعاهم الإمام أن ينفروا، وجب عليهم النفير.
أما دليل دهم العدو: فإذا دهم البلاد عدو، وليس لهم به يعني: قدرة، فإنه يتعين عليهم حتى على النساء وعلى الكبار والصغار، كل بقدر ما يستطيع، ثم يقول: لا يجاهد تطوعا إلا بإذن أبويه
الحر المسلم إذا كان أبواه موجودين، فلا يجاهد إلا بإذنهما لقوله - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه رجل يستأذنه في الجهاد"أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد"فإذا أذنا له جاز، فأما إذا كان فرض عين، فإنه لا يستأذن أحدا، بل ينفر، وذلك دليل على عظم حق الوالدين؛ لأن رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الرب في سخط الوالدين.
ثم يسن الرباط قال -تعالى- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} الرباط هو ملازمة الثغور، التي يأتي منها العدو، إذا كان العدو يأتون من هذا الطريق سواء على أرجلهم، أو على جيش، أو خيل، أو سيارات، أو نحوها، فالذين يرابطون في هذا لهم أجر كبير؛ لأنهم يحرسون المسلمين، ألا يأتيهم أحد من هذا الفج الذي يخافون من أن يأتيهم، وهم على حين غفلة، فإذا أحس بالعدو جاء أنذر المسلمين، وقال: جاءكم العدو، فاستعدوا، ففيه فضل كبير قال - صلى الله عليه وسلم -"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا، وما عليها"وأقله ساعة، وأكثره أربعون يوما.
تمام الرباط أربعون يوما، فإذا رابط أربعين في هذا السفر، فإن على الإمام أن يبدله بغيره؛ قد قضى ما عليه.
إذا غزوا، وأراد الغزو، فلا يجوز أن يكون فيهم المخذل والمرجف، يمنع الإمام المخذل والمرجف قال -تعالى-: {* لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} فالمخذل هو الذي يخذل المجاهدين، يقول: لا تغزوا ليس أحد بحاجتكم! وليس هناك ضرورة إليكم! أي الجهاد ليس بضروري، لا حاجة إلى الجهاد في هذا الوقت، يخذلهم، ويمنع كثيرا منهم عن مقابلة العدو.
المرجف: هو الذي يهول الأمر، فيقول: إن عدوكم سوف يستولي عليكم! أنت ضعفاء لا تقدرون على أن تقاوموا العدو! وأكثر منكم عددا! وأكثر منكم قوة، ماذا تقاومون؟! ليس عندكم ما تقاومون به عدوكم! سوف يستولون عليكم! ماذا تفعلون؟! فيسبب أن ترتجف القلوب، فمثل هؤلاء لا يجوز أن يكونوا في الغزو، ويمنعهم الإمام، فلا يخرجون معه.
على الجيش طاعته والصبر معه، فالجيش الذين يغزو معه عليهم أن يطيعوا أميرهم، ويصبروا معه، ولكن"إنما الطاعة في المعروف".
مشهور"أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر على سرية عبد الله بن حذافة، وأمرهم أن يطيعوا، ثم إنه غضب عليهم، فأمرهم مرة أن يوقدوا نارا، وقال: ادخلوها؛ فقد أمركم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تطيعوني، فأراد بعضهم أن يدخلها، ثم قالوا: ما فررنا إلا من النار كيف ندخلها؟! ولا يزال بعضهم يحجز بعضا حتى خمدت، وسكن غضبه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما الطاعة في المعروف".