فهرس الكتاب

الصفحة 665 من 722

هذا هو السبب، هذه عقوبات دنيوية تزجر كثيرا من الناس مع أن الله تعالى قد توعد بعقوبات أخروية أشد وأشد، العقوبات في الآخرة أشد، وهي حرمانهم من ثواب الله ومن جنته ودخولهم النار، أو تعرضهم لسخط الله فيفكر أيضا إذا كان معه الإيمان ومعه عقل أنه لا مقارنة ولا مقاربة بين هذه اللذة العاجلة وبين حرمان ثواب الله، وحرمان رضاه أو الحصول على غضبه والحصول على عذابه في الآخرة، فيعرف أن هذه اللذة وقتها يسير وعاقبتها سيئة.

ولذلك ينزجر عنه العاقل إذا تذكر عقوبتها وتذكر أن مسرته هذه يعقبها مساءة شديدة وإساءة دائمة حتى يقول بعضهم:

مسرة أحقاب تلقيت بعدها ... . . . . . . . .

نسيت ما كنت فيه من تلك المسرات وذهبت كأنها ليست شيئا، فكيف إذا كانت المسرة ساعة أو يوما أو أياما قليلة؟ فإن الدنيا كلها قليلة وحياتك منها -أيضا- قليلة؛ ولهذا الكفار إذا قيل لهم: {كَمْ لَبِثْتُمْ} [1] يقولون: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [2] مع أنهم لبثوا عشرات السنين ولكن نسوا ما كانوا فيه من لذة الدنيا وشهوتها. ورد -أيضا- في حديث"أنه يجاء بأنعم الناس في الدنيا من أهل الكفر أو من أهل المعاصي -أنعم الناس في الدنيا- فيغمس في العذاب غمسة، فيقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مرت بك مسرة قط؟ فيقول: لا، ما رأيت خيرا قط، وما مرت بي مسرة قط. ويجاء بأبأس الناس في الدنيا وأشدهم بأسا في الدنيا من أهل الجنة فيغمس في الجنة - أو في ثوابها غمسة-، فيقال: يا ابن آدم، هل رأيت سوءا قط؟ هل مرت بك شدة قط؟ فيقول: لا يا ربي"أهل النار إذا غمسوا فيها مرة نسوا ما كانوا فيه في الدنيا من ملذاتهم وشهواتهم وسكرهم ومكرهم ولهوهم وسهوهم وخمرهم وزمرهم وزناهم وفواحشهم التي يتلذذون بها في الدنيا، يلطفون بها عن أنفسهم ساعة واحدة، أو أقل، إذا غمسوا في العذاب نسوا ذلك كله كأنه لم يكن. ويقول بعض الشعراء:

تفنى اللذاذة ممن نال صبوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى أواخر سوء لا مصير لها ... لا خير في لذة من ذاتها النار

يعني اللذة التي في الدنيا، لذة الزنى ولذة لواط ولذة فاحشة ولذة سكر ولذة غناء ولذة كبر ولذة رفاهية ولذة توسع في المحرمات وما أشبهها، ترفيه -كما يقولون- وتسلية وما أشبه ذلك، هل هي تدوم؟ تبقى معه ساعة أو سويعات أو نحو ذلك، ثم كأنه لم يتمتع بتلك الميزات، ولكن يبقى عليه الإثم الذي يعاقب عليه في الآخرة، ويبقى عليه التعرض للعذاب، وتبقى عليه التبعات. فكيف مع ذلك يقدم وهو يعلم أنه سيستمر العذاب على ذلك؟"لاخير في لذة من بعدها النار"، وحيث إن الكثير من الناس يقدمون القريب على البعيد، يقدمون الحاضر على الغائب، وينظرون إلى ما أمام أعينهم ويغفلون عما وعدوا به، ويتناسون وعيد الله تعالى على هذه المعاصي والمحرمات -يتناسونها، فتحملهم .. تحملهم تلك المناظر البراقة، وتلك الشهوات النفسانية، والنفس الأمارة بالسوء، تحملهم على

(1) - سورة الكهف آية: 19.

(2) - سورة الكهف آية: 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت