فحدود الله هنا أحكامه التي بينها ونهى عن قربها، يعني فعل شيء مما نهى الله عنه فيه عصيان أو في الاعتكاف ونحوه، وكذلك الاعتداء في النكاح وفي الطلاق وما أشبه ذلك {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [1] {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [2] .
فهكذا أصل الحدود، وتلك حدود الله، فيذكر الله تعالى الحدود بعد الأوامر والنواهي، وكذلك بعد الأحكام، كقوله بعد أحكام المواريث: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [3] .
ولكن اصطلح الفقهاء على تخصيص الحدود بالعقوبات؛ لأن أصل الحد هو الحاجز بين الشيئين، فتقول مثلا لجارك: هذا الخط حد بيني وبينك، وبين ملكي وبين ملكك، وهذا الجدار حد بين آل فلان وآل فلان.
ثم إن الفقهاء استعملوا الحدود للعقوبات، فيقولون: الحد عقوبة على ذنب لتمنع من الوقوع في مثلها، يعني أن هذا الحد يشرع فيه عقوبة على ذلك الذنب الذي ارتكبه هذا المجرم فيُحَدّ أي: يعاقب حتى يرتدع هو ويرتدع أمثاله ولا يعودون إلى هذا الذنب مرة أخرى.
هذا هو الأصل في شرعية هذه العقوبات، ولا شك أن إقامتها تطهير للبلاد، وتعطيلها نشر للفساد. ورد في بعض الأحاديث:"لحد يقام في الأرض خير من أن يمطروا أربعين صباحا".
بمعنى أنه إذا أقيم الحد كان ذلك زجرا للناس عن هذا الذنب، وعن الاعتداء عليه، فيكون في ذلك تطهير للبلاد عن هذه المعاصي، وتطهير للعباد عن هذه المحرمات، وذلك مما يسبب رحمة الله لهم؛ حيث إنهم تابوا وأقلعوا عن الذنوب، وابتعدوا عن هذه المحرمات.
ولكن إذا أصروا واستمروا ولم يكن هناك عقوبات فإن المعاصي تكثر، ويكون من آثارها حرمان الله تعالى فضله، وحجبه عنهم رحمته، فما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، فيُعلَم بذلك أن الله تعالى ذكر هذه الحدود لتكون زواجر عن الآثام وعن المحرمات.
وقد تقدم حد منها وهو القصاص، وأنه شُرع لأجل أن يتوقف المعتدي فلا يتعدى حده، بل يتوقف ولا يقدم؛ ولذلك قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [4] يعني أن سبب شرعيته حتى يقي من القتل، حتى إذا هم بقتل مسلم وتذكر أنه سوف يُقتَل عند ذلك ينزجر ويترك الاعتداء.
فكذلك بقية العقوبات، فمثلا عقوبة الزنا، جعل الله تعالى فيها حدا الجلد أو الرجم؛ وذلك لأنها محرمة ولما يترتب عليها من المفاسد، إذا هم بأن يزني وتذكر أنه سوف يرجم أو سوف يجلد ويغرب ويحبس ويطال حبسه تفكر هذا الفكر وترك هذا المحرم؛ لأنه سيترتب عليه فضيحته، وسيترتب عليه أذى له فينزجر ويتوب عن هذا الفعل.
كذلك أيضا إذا همَّ بأن يسرق وعرف بأنه سوف تقطع يده إذا سرق فكر وقال: ما قيمة هذه السرقة مقابل هذا المال الذي سوف آخذه؟ أين يقاس بيدي التي فيها نصف الدية؟ فيتراجع ويترك السرقة.
وهكذا إذا همَّ بأن يشرب الخمر وعرف بأنه إذا شربها فإنه لا بد سيعاقب، يجلد ويشهر بأمره فيقول: ما نتيجة هذه الشربة التي هي لذة لحظات ثم لا أستفيد منها إلا الخجل وإلا الفشل وإلا الألم الذي هو هذا الجلد الذي يعود علي به الضرر، فيرجع إلى نفسه ويعلم أنه لا حاجة له في هذا الشيء الذي لذته يسيرة وعقوبته شنيعة.
(1) - سورة البقرة آية: 229.
(2) - سورة الطلاق آية: 1.
(3) - سورة النساء آية: 13.
(4) - سورة البقرة آية: 179.