القذف، فإنه يضرب وهو قائم، ومن العلماء من أجاز أنه يضرب وهو مضطجع على بطنه، ولكن كأنهم اختاروا أن يضرب وهو قائم. الآلة التي يضرب بها الثوب تكون من عصا، ولكن لا تكون قوية شديدة تشق جلده أو تعطل عليه بعض المنافع، ولا تكون خالقة يعني لا تؤثر فيه بل تكن وسطا؛ روي"أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد جلد رجل فجيء بسوط جديدة فقال: دون هذا، فجيء به بسوط رديئة، فقال: فوق هذا"يعني أنه لا يشدد عليه بالسوط الجديد الذي قد يؤدي إلى قتله، وكذلك لا يضرب بالسوط الرديء الذي لا يؤثر فيه، بل يكون السوط وسطا.
السياط قديما تؤخذ من العصي كجريد النخل، يكون جريد نخل إذا كان -مثلا- متينا يؤثر عليه، وإذا كان .. كرأس العسيب ونحوه لا يؤثر، وأما إذا كان متوسطا فإنه الذي يؤثر ولا يضره -يعني لا يميته-، وتعمل السياط -أيضا- ها هنا من السيور يعني السير من الجلد ونحوه، أو كذلك من الحبال أو من الخيوط. يعملون سوطا يفتلونه ويدخلون بعضه في بعض، ثم بعد ذلك يجلدون به .. يجلدون به ذلك المجرم؛ لأنه هو الذي يكون لينا، بحيث إنه يلتوي على جلده على ظهره وعلى فخذيه أو ما أشبه ذلك، ولا يجرد، يعني لا تخلع ملابسه حتى يبدو جلده، ولكن يكون عليه قميص أو قميصان، يعني من هذه الثياب العادية من القطن ونحوه؛ لأنها لا تمنع وصول الألم إلى جلده، ويمنع أن يكون عليه عباءة غليظة بل .. ، وكذلك ثوب غليظ كما يسمى بالبالطو أو الكوت ونحوه؛ لأن هذا قد لا يوصل الضرب والألم إلى جلده. ثم الضرب يكون وسطا ليس شديدا وليس رئيفا، حددوه بأنه إذا رفع يده ما ترى إبطه، الضارب يضرب ولا يرفع يده كثيرا، بل يرفعها ثم يجلد.
ولكن يتفاوت الضرب وتتفاوت العقوبات، فمثل الزنى يشدد عليه قال الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [1] يعني لا ترحموه فإن ذنبه كبير، فمعنى ذلك أنكم تشددون عليه فلا ترحموه، {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} [2] لا تأخذكم بالزاني رأفة فتخففوا الجلد، نرى بعض الجلادين لا يحرك إلا كفه، فمثل هذا لا يؤثر، وبعضهم يشدد فيرفع يده كله، يعني نحو مترين، ثم يضرب بقوة وهذا شديد -أيضا- قد يشق الجلد، فالجلد في الزنى يكون شديدا ولكن ليس الشدة في النهاية: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [3] .
وأما الجلد في القذف، فهو دون الجلد في .. كأنه أخفها، الجلد في القذف أخف الحدود أخف الجلد، وأما الجلد في السكر فيكون وسطا بين جلد القذف وبين جلد الزنى وسطا بينهما، يقول: ويسن تفريقه على الأعضاء إذا كان قائما يضرب ظهره، ويضرب كتفيه، ويضرب عضديه، ويضرب أسفل ظهره، ويضرب فخذيه، ويضرب ساقيه، ويضرب طوله، ويضرب عرضه، وكذلك -أيضا- يضرب من الأمام فخذيه، ويضرب فخذيه من الأمام ومن الخلف، وساقيه من الأمام والخلف، وأليتيه من الخلف، وظهره كله، وكتفيه، يفرقها على الأعضاء. ويجب اتقاء وجه ورأس وفرج ومقتل؛ وذلك لأن هذه قد يؤثر فيها؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه"يعني لا يضرب الوجه؛ ولأن الوجه فيه الحواس، فيخاف أنه يقضي على سمعه وعلى بصره وعلى لسانه وفمه وعلى أنفه، فيظهر أثر ذلك فيفوت عليه بعض الحواس، فلا يجوز الضرب في الوجه، وكذلك الرأس، لو ضرب الرأس فقد يسبب موتا، سيما إذا كان الضرب شديدا، وكذلك لا يضرب الفرج القبل، أما الدبر فإنه يضرب الإليتين، لا يضرب الفرج الذي هو القبل من الرجل أو امرأة، ويتجنب المقتل، المقاتل، فلا يضرب رقيق البدن، البطن -مثلا-، لو ضربه بسوط شديد لأتلفه أو شق جلد البطن أو نحو ذلك، وكذلك القلب لو ضربه مع قلبه أو مع مقابل كليتيه لعطلهما؛ فلذلك لا يضربه في المقاتل.
(1) - سورة النور آية: 2.
(2) - سورة النور آية: 2.
(3) - سورة النور آية: 2.