يقول فيها:"قربا مربط النعامة مني". في خمسين بيتا، حميت الحرب بينهم، حتى نهكت كل من القبيلتين: بكر وتغلب، مع أنهم يجتمعون في"وائل": بكر بن وائل، وتغلب بن وائل، فقتل خلقا كثيرا في أخيه كليب، فجاء الإسلام وفرض أنه لا يقتل إلا واحد، النفس بالنفس في هذه الآية: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [1] .
وكذلك في الحديث:"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس ..."أي: لا زيادة، فلا يقتل اثنان بواحد، ولا يقتل غير القاتل ولو كان القاتل وضيعًا، فلا يقولون: نقتل به شريفا، قتيلنا من الأشراف فلا نقتل إلا من مثله، من له مكانة.
فالله -تعالى- جعلهم على حد سواء، يعني: أنه لا فضل لهذا على هذا"لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى"هكذا جاء الحديث.
"النفس بالنفس"فلا يقتل إلا من قتله، هكذا أخبر - صلى الله عليه وسلم - بأنه:"لا يحل دم امرئ المسلم، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه"يعني: المرتد؛ لقولهم بدل دينه فإقتلوه.
"التارك لدينه المفارق للجماعة"فأما بقية المسلمين، فلا يجوز استحلال دم امرئ مسلم بغير حق"لا يحل إراقة قدر محجمة دم إلا بحقه"
كان القصاص ... ذكروا أن القصاص واجب عند اليهود، والعفو إلى دية أو نحوها واجب عند النصارى، جاء في هذه الشريعة: أنه ليس بواجب، ولكن مخير: إن شاء قتل، وإن شاء عفى مطلقًا، وإن شاء عفى إلى الدية؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} [2] يعني: عفي له إلى الدية. {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [3] .
والعفو مطلقًا أفضل كما سيأتي.
فالحاصل أن هذا الكتاب يتعلق بالاعتداء، الذي هو القصاص في النفس، أو فيما دون النفس، من جاء الإسلام بشرعيته، ثم إن الدول التي تحكم بالقوانين أبطلوا هذا الحكم، يقول قائلهم:"إذا قتل منا واحد نقص شعبنا، فكيف نقتل الثاني؟!"ينقص أكثر، ولكن ما علموا أن ترك قتله سبب لكثرة القتل.
كان العرب يقولون:"القتل أمثال القتل". يعني: قتل القاتل أقل لوقوع القتال. جاء في القرآن قوله -تعالى-: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [4] القصاص سبب للحياة. كيف؟!
الذي يريد أن يقتل أو يهم بالقتل، يأتيه التفكير ويقول: إذا قتلته قتلت، فما فائدتي من هذا القتل؟"من كوني أقتله"، هذا لا يفيدني، ولو مثلا أني شفيت غيظي في هذه اللحظة، فسوف يقتلني غدًا أو بعد غد، فيقلع ويترك القتل، فيكون خوفه من القتل سبب تركه للقتل، فهذا معنى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [5] .
(1) - سورة المائدة آية: 45.
(2) - سورة البقرة آية: 178.
(3) - سورة البقرة آية: 178.
(4) - سورة البقرة آية: 179.
(5) - سورة البقرة آية: 179.